أحد مقاييس أو معايير التحديث عالميا في الوقت الحاضر، هو الإحياء الأثرى من خلال عمليات الترميم والصيانة لكل ما يمت بالارث الفني لكل شعب من الشعوب. والموروث الفني ليس مجرد شاهد على الماضي، بل انه التاريخ الحي لأي شعب من الشعوب الموصول، بحاضره المندفع نحو المستقبل

الموروث الفني القديم هو محصلة للفنون الانسانية القديمة ، وهو يقدم لنا رؤية جمالية لها ظروفها وعلاقاتها الخاصة المرتبطة بالواقع المعاصر، والفن له طابعه الاجتماعي الحياتي الذي يصل إلى الجميع.ويستهدف تذوق الجميع بلا استثناء. والترميم هو رحلة شيقة وحساسة للكشف عن مقدرات هائلة للتعبير ، تأخذ المرء إلى عوالم من التوافقات والتناسقات تملأ وتعدل وتصلح بعض أجزائها التالفة لتكشف عن مدى القدرة على خلق عالم جديد آسر. الترميم هو عودة إلى ذلك الفنان الذي نسق كل شيء ضمن غاية وهدف أساسي هو خلق التماس مع الناس، وعمل المرمم ينصب بالأساس للحفاظ على العمل الفني، أي على درجة معينة للحفظ.

وهذا يعني مراعاة ألوان العمل وقدرته على المقاومة، إذ لا يمكن بكل الأحوال إطلاق تسمية ترميم نهائية على أي عمل يقوم به المرمم، سواء كان لوحة أو بناء معماريا أو تزيينات لكتاب معين، بل إن الهدف ينصب على تأخير تلف ذلك العمل ومده بعمر أطول من عمره المحكوم بالزمن وعوامله المعروفة.ان التغيرات التي حدثت خلال فترة العشر سنوات الأخيرة على عملية الترميم والصيانة، ولأسباب حضارية وثقافية متعددة ولدّت الحاجة والضرورة لحفظ الموروث الفني كشاهد على الماضي، وكخيط تاريخي يصل ما بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وعلى ضوء هذه الضرورة، وعلى ضوء وصول الحياة المدنية إلى نقطة أصبحت قادرة على أن تقدم للنوع الانساني ميزات تساعده على الاستمرار والبقاء والإبداع فالترميم بدأ يخطو خطوات متقدمة جديدة وأول هذه الخطوات هي استخدام الأساليب التكنيكية الالكترونية المتناهية الحسية والتي باستطاعتها رؤية أعشار الجزء الواحد من البليون.

إن أجهزة المايكروسكوبات الخاصة بالكشف عن المزيج الذي تتألف منه المواد والأصباغ الملونة الداخلة في تنفيذ العمل الفني، لها قدرة هائلة في الكشف عن المزيج المكون من اوكسيد الحديد والزئبق وثاني اوكسيد التيتانيوم وغيرها من المواد والأصباغ.

إذ أصبح بمقدور المختص العثور على بقايا الملوثات العضوية مهما كانت بتراكيز ضئيلة، ويطلق على هذه الأجهزة «التيرموغراف» أو العيون الالكترونية والتي كانت تستخدم من قبل القوات الأميركية في حرب الفيتنام، وتستخدم هذه الأيام من قبل قوات الاحتلال في كل من العراق وافغانستان وذلك للكشف عن القناصة في الأدغال والغابات والجبال.

إن مهمات المرمم الحديث تنحصر في بناء اللحظة الميثولوجية لإعادة معرفة العمل الفني في محتوياته المادية وفي ثنائيته الجمالية والتاريخية كي يعبر من الماضي إلى الحاضر، أما عملية فرز الأساليب المتبعة من قبل النقاد والتقنيين ودارسي الفن فانها مسألة ثانوية.

المرمم يدخل دورات متخصصة ومكثفة تمتد إلى أربع سنوات أو أكثر يمنح بعدها شهادة تثبت قدرته على ممارسة عمله، وهو بخلاف المرمم القديم الذي كان يعتمد على الأجهزة والأدوات التقليدية القديمة والتي كثيرا ما ألحقت الضرر بالعمل الفني، المرمم الحديث إضافة إلى ثقافته وخبرته ، فهو يحتاج إلى صبر كبير في أداء عمله الدقيق والبطيء والذي يحمل الدهشة والمحبة.

ما تحقق للان من أعمال ترميم وصيانة في المعاهد والاكاديميات المختصة، يشكل إضافة لإيجاد علاقة ما بين المرمم والعمل الفني، علاقة تتطور مع تطور التقنيات التكنولوجية الجديدة، إلا أن المشكلة التي واجهت المرممين في السنوات الأخيرة تمثلت في صعوبة استخدام نفس الوسائل والأدوات والأساليب المتبعة بكل المقاييس التي تمتلك مؤهلات العمل الناجح، مع تيارات فنية بارزة ممثلة لحقبة تاريخية هامة في حياتنا الحاضرة، بدءا بالمفاهيمية والفن الحركي.

ومرورا بالفنون اللاموضوعية والدادائية والسريالية والواقعية الجديدة....الخ، فقد شعر هؤلاء بحاجتهم إلى التعامل مع أصباغ من نوع آخر لاتنتمي إلى ألوان الزيت والاكليرك، وإنما إلى تركيبات كيمياوية معقدة ، والى خامات وأدوات معدنية وبلاستيكية وزجاجية وسيراميكة معقدة يتشكل منها العمل الفني الجديد المطلوب ترميمه وصيانته بعد أن دبت بأوصاله حشرة الموت كما يقال بالمثل الايطالي.

عمليات الترميم والصيانة الجديدة الذي دشنت فيه مجموعة من المختصين عهد حداثتها قبل عدة سنوات، على يد نخبة من أشهر الاساتذة والمتخصصين، جاءت أعمالهم لتهشم نمطية قواعد المعرفة التقليدية، ولتثير الرغبة لحافز الاكتشاف والتعرف على سحر الاتصال الحقيقي الذي تقيمه نظرياتهم وتقنياتهم.

وما توصلت إليه أفكارهم مع الفنون البصرية الجديدة والتي دخلت مراحل متطورة من الاهتمامات اللونية وما تثيره من ايهامات بصرية قد نجد جذورها في العديد من التيارات الفنية التي رافقت التطور العام في مجال الرسم والتصوير والنحت.

ونتلمسها بوضوح اكبر مع كل الفنانين الذين كانت لهم اهتمامات خاصة بالتفاعل اللوني والحركي واستخدام بنى هندسية مختلفة عما ألفناه مع العمل الفني التقليدي وهو اللوحة الفنية المصنوعة من القماش ( الكانفس) بكل أنواعه القطنية والكتانية والحريرية، إضافة إلى ألوان الزيت،فان العمل الفني الجديد يمثل تراكم اللحمات.

وتجاوز الخطوط وتوزيع الألوان وانتشارها وتداخلها او تقلصها وامتدادها، جنبا الى جنب مع التضادات المتزامنة والمتتالية في تركيب الكتل، وابرز مثال هو ما قدمته كل من جماعة البناؤية الروسية أو جماعة الباهاوس وكذلك جماعة ستيل الهولندية وغيرها.

والتي قادت نحو البرمجة، والحركة السبرانية والبوب آرت والفن الفقير وفن الارض وفن الجسد وفنون ما بعد المفاهيمية، والذي ظهر عند عدد كبير من الفنانين أطلق على نتاجاتهم ب(اللاشكلية) ثم من خلال تخطي مسالة التثبت من واقع المجتمع الصناعي ونمط الحياة المدنية ووسائلها الإعلامية، فتم إنتاج فن الفكرة، ووجدوا أن الفن نتيجة لعمل ما، قد يتم بفعل عامل النار أو المطر على قماش اللوحة.

كما أن باستطاعة الفنان استخدام أي شيء يمكنه في التعبير عن أفكاره، وتخطي حدوده الجسدية. لقد وجد هؤلاء كل المبررات اللازمة، للدفاع عن عملهم الجديد وما يحمله من تحديات كبيرة، باعتباره عملا فنيا ابداعيا ناضجا فنيا وفكريا، وفيه من الكشوفات الفلسفية، ما يحمل على وضعنا كمتلقين، في موقع وحالة حوار دائمة معه، حاله حال أي عمل فني كلاسيكي آخر.

بهذا المعنى، يتحول المرمم الجديد لهذا النوع من الاعمال الفنية إلى، «صاحب طريقة» ينضم إلى حلقاتها مجموعة كبيرة من العاملين في هذا الاختصاص، تتزايد يوما بعد آخر، وتتسع من حولها الدراسات الجديدة ودورات المتخصصة والمكثفة لخيرة المرممين والمعماريين والاثاريين والكيميائيين وأساتذة تاريخ الفن العالميين، ليصبحون نجوما مشهورين في مجالات عملهم الذي يرتكز على نوع من الحداثة يتبلور يوما بعد آخر، ويتداخل مع الكثير من الترسبات التقليدية والمناهج الأكاديمية التي كانت متبعة منذ ايام عصر النهضة الايطالية(1250- 1550) ولحد يومنا الحاضر.

هذا النوع من العمل الفني تحددت صورته الحديثة قبل سنوات قليلة، وبالذات منذ مطلع الالفية الجديدة، حيث راح هذا النوع من الترميم يكتشف نزوعه الحداثي الاصيل وهو يستشرف الآفاق الحداثية للانواع الفنية المختلفة وبشكل خاص في ميدان كل عمل فني ولكل فنان.

إلا أننا لانريد أن نقفز على حقائق التاريخ المعاصر، فنقصر النزعة على الحداثية في عمليات الترميم والصيانة على الاتجاهات ذات الطابع المفاهيمي، فنحن نرى أن نزعة الحداثة في هذا النوع من الأعمال الفنية تمد جذورها في تجارب الرعيل الأول لمدارس واتجاهات بدأت في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، فمثلا ان فنانا مشهورا يعتبر من وجهة نظر العديد من النقاد الغربيين، بمثابة مفتتح عصر الحداثة في التشكيلي.

وهو الفنان الايطالي بيير مانزوني ، الذي كان له موقف عبثي من الفن، واحدث تأثيرا كبيرا في تطور العمل الفني لدى اجيال من الفنانين، اذ سعى لان يحرر الفن من الايحاءات والرموز فقد قدم في معرض له أقيم عام 1961 مجموعته الشهيرة وهي 90 علبة معدنية صغيرة كتب على كل منها بحروف ملونة «غائظ الفنان» وتزن كل منها 30 غرام، وكل علبة تحمل رقم وتوقيع الفنان. والعلب هذه المحفوظة بأحد المتاحف الايطالية ويصل سعرها إلى أكثر من مليون دولار.

خلال السنوات الأخيرة بدأت تصدأ بفعل تقدم الزمن والمواد التي استخدمها الفنان في انجازها، من المعدن والورق والمادة الكيمياوية التي بداخل العلبة المحكمة الغلق ، جعلت العديد من هذه العلب التي تشبه علب الطماطم، يتشقق ويحمل ثقوبا بفعل عامل التأكسد الذي احدث الصدأ، الأمر الذي وجب معالجتها بعمليات ترميم حملت في بداية الأمر حيرة كبيرة أمام مجموعة من أساتذة الترميم في العالم، وهي لفنان لازالت تأثيراته تشكل تأسيسا لفن الحداثة مع انه غاب عن المشهد الفني منذ أكثر من أربعين عاما .

وهكذا خضعت تلك العلب التي كان يظن الجميع بأنها حقا مملوءة بالغائظ، إلى عمليات تلحيم وترقيع الأماكن المتأكسدة التالفة وإعادة وهجها من جديد.

وعلى الرغم من رفض عدد من المرممين لاحكام النتائج المرجوة لاظهار قيمة هذا النوع من الفن من جديد وكما خرج لأول مرة من يد الفنان، إلا أن الضرورة حتمت الإسراع بالمعالجة، التي نبعت من حاجة المتلقي اي كان موقعه ومكانه وزمانه إلى تجديد الرؤية، وبرزت مقولة الشاعر الفرنسي الخالد رامبو في فضاء الإبداع «لابد لنا من أن نكون حداثيين بصورة مطلقة» .

فنان معاصر اخر هو الأميركي انسيلم كييفر والذي يباع كل عمل من أعماله الفنية المعاصرة بأكثر من مليون دولار وهو يستخدم في أعماله الفنية الخضروات والزهور و والزجاج والحديد وحبوب الحنطة والشعير والذرة، فقد اكتشف بان أعماله تتآكل بفعل البكتريا والحشرات والتفاعلات الكيماوية بين المواد اللاصقة والمواد الملونة المستخدمة على سطوح أعماله، الأمر الذي جعل عملية الترميم متنوعة في مقاصدها لاتخرج عن قانون قاعدي استخدمه المرممون منذ عشرات السنين، فتمت محاولة تفكيك العمل وإعادة رسم خطوط بنياته اولا .

ومن ثم معالجة السطح بوضع دعامات جديدة بدل تلك الدعامات التالفة المتآكلة التي وضعها الفنان، ومن ثم إعادة تركيب الأجزاء كبناء معماري يمتلك التحاماته ليصبح مجمع جديد زاهي بالوانه ،تتوارى به التصدعات والتآكلات وخالي من اشكاليات التلف والانقراض.

الفنان الآخر هو الفرنسي مارسيل دي شامب الذي مهدت أعماله الأولى لحركة الدادا، وهو الفنان الدادائي الأكثر انسجاما مع أفكاره، في سلوكه كما في نتاجاته.

والذي أصبح بحق خرافة حية في فترة عانت فيها الحركة الفنية من ازمة ولدتها ظروف ما بين الحربين العالميتين، الظروف التي قدمت لعبثية دي شامب ما يبررها، فان أعماله الفنية التي يطلق عليها بالمركبات وكذلك عمله الأكثر شهرة تصدعات كبيرة « المبولة» فقد اكتشف بان تصدعات كبيرة قد حلت بها بعد عمليات النقل من متحف إلى آخر، الأمر الذي جعله يتعرض في الآونة الأخيرة إلى ترميم شامل في بنيته الخزفية البيضاء التي تحولت بفعل الزمن إلى تغير ألوانها وميلها نحو الصفرة المتوسخة.

في هذا الصدد توجب على المرممين استحداث طريقة خاصة، تصل إلى تحديد صيغة في التعامل بعد فهم مستوعب لنوع المادة الخزفية ونسب تركيباتها البنائية من المواد الإنشائية، وهذا استلزم من ناحية أخرى اقتباس طرق تقنية تعتمد بالدرجة الأولى على مهارة البنائين ومعالجاتهم، من اجل الوصول إلى النجاح المطلوب.

العطار والدهر

كل عمل فني له خاصية، وكل فنان له أسلوبه واستخداماته وتعاملاته الفنية، تختلف عن الفنان الآخر، إلا أن هذا لايعني أن كل الأعمال الفنية الحداثية وما بعد الحداثية قد وجدت لها حلولا ساحرة على أيدي الفاتحين الجدد من جيش المرممين .

بل إن أعمالا فنية كثيرة ينطبق عليها المثل العربي القائل «لايصلح العطار ما أفسده الزمن» ، إذ لم يتوصل المرممون إلى وضع حلول تنقذ أعمالا كثيرة من شيخوختها وهرمها وبالتالي موتها المحتم، ومثال على ذلك العمل المثير الذي حمل اسم « نفس فنان» الذي أنجزه الفنان الايطالي بيير مانزوني عام1961، وهو عبارة عن منطاد بلون احمر وضع بداخله مانزوني هواء الهيدروجين، إلا أن هذا المنطاد تفسخ وتشقق ولم يعد من الممكن إنقاذه.

الحفاظ على الجماليات

هنالك أعمال فنية سقطت كليا ألوانها بفعل التأكسد والتفاعلات الكيميائية، عولج العديد منها من خلال التعويض عن تقنياتها اللونية الكيمياوية القديمة باحلال تقنيات لونية حديثة تحمل تداخلا صلبا في الأشكال الأساسية الخطية والتضادات اللونية استطاعت الحفاظ على جماليات العمل الفني الاولى، وأسلمت توجيه مباديء وتصورات البناء المعماري للعمل الفني كما أراده الفنان في لحظة الانجاز الاولى.

ورشة كبيرة

انطلقت معالجات ترميمية تعتبر ورشة موسعة وكبيرة ، لاعمال فنانين امثال بيكابيا و بيكاسو وكورت شوتيرز و هانس آرب و ماكس فايبر و غوركي و راوشنبرغ و ليشنتين و شوفر و رونالد كيتاج كما تشمل أعمال جماعات الفن الاعتدالي وفناني حركة الفولكس وجماعات فن الإلصاق ..والمئات غيرهم في كل من روما وباريس وفرانكفورت ونيويورك وميلانو وفلورنسا .

موسى الخميسي