كانت السجاجيد والنجود ولا تزال، من الحاجات الضرورية لسكن الإنسان ومكان عمله، بدأت كغيرها من حاجات حياته اليوميّة استعماليّة بحتة، ترد على الحاجات الماديّة، لكنها مع انطلاق الإنسان في مدارج التطور والتحضر، طاولها (كما طاول غيرها من الحاجات والأدوات الإنسانيّة اليوميّة) التشذيب والترتيب والتذويق والأناقة والحضور الجميل في عين الإنسان وأحاسيسه.
وهو ما يسعى إلى تحقيقه ما يُعرف باصطلاح (العمارة الداخليّة) أو (الديكور) الذي ينفذه الفنان التشكيلي المكمل لجهود واضع (العمارة الخارجيّة) الذي يصممها المهندس المعماري، بغية توفير وسط جميل ومريح ومُعبّر للإنسان، من أجل منحه حوافز للحياة والعمل والإنتاج. بدأ تصميم السجاجيد والنجود بسيطاً وعادياً، يصنعه حرفي متمرس وخبير، جل طموحه، الخروج بعمل متين، قابل للاستمرار . بعدها، وبالتدريج، انطلقت هذه الحرف إلى ميادين الفنانين المصممين والمزخرفين الذين أضافوا إليها ابتكاراتهم وإبداعاتهم ما جعل بعضها يتحول إلى مجالات تعبير، عن حالات وجدانيّة رفيعة، حوّلت السجادة من حاجة ماديّة بحتة، إلى تحفة فنيّة ثمينة، تتسابق اليوم على الفوز بها، جهات عديدة، من بينها القصور والمتاحف والأثرياء من الناس.
هذا التطور الشكلاني الذي طاول السجاجيد والنجود، أناط بها مهام جديدة نهضت بها من (الأرض) إلى (الجدران). ومن الحاجة البسيطة، إلى العمل الفني التعبيري الرفيع، مثل أي عمل إبداعي آخر كاللوحة والتمثال والمحفورة المطبوعة وغيرها.
حرفة قديمة
تعتبر السجاجيد والنجود من عائلة النسيج الذي ظهر مع البدايات الأولى لوعي الإنسان بضرورة التكيف مع الطبيعة في حالاتها المناخيّة المتبدلة، وككل الحرف والصناعات اليدويّة، بدأ النسيج بسيطاً يُنفذ في المنزل، وانتهى ليصبح صناعة متكاملة، هامة، وضرورية في حياة الإنسان التي لا تتوقف فيها، عملية البحث عن الجمال بمظاهره المختلفة، لتُزينها وتُرتبها وتُحسن مرافقها المختلفة حياته اليوميّة.
طاولت هذه العملية جوانب من الحرف والصناعات، بحيث قاربت بعض أنواع الأنسجة، الأثر الفني التعبيري، بما حملت من قيم فنيّة رفيعة وابتكارات جديدة.
من جانب آخر، تشعبت استخدامات النسيج في حياة الإنسان المعاصر، بحيث يصعب إحصاؤها، فهي تبدأ من الثياب وتنتهي بالستائر وأوجه المقاعد والكراسي والسجاجيد والنجود (التي تعني السجاد الجداري التزييني) وهو ما سنحاول إلقاء الضوء عليه وعلى الآفاق الإبداعيّة الرحبة التي ولجها، خلال العقود القليلة الماضيّة، وقادتها إلى أن تأخذ خواص ومقومات العمل الفني التزييني والتعبيري في آنٍ معاً.
طموحات مشروعة
قد لا يكون الاهتمام بالسجاد الجداري للتزيين جديداً، غير أنه خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أخذ هذا الاهتمام منحيً جديداً، تجلى في الطموح المشروع لهذا النوع من الحرف، بالبحث عن أشكال وصياغات فنيّة جديدة، تخرجه عن نطاق (الحرفة) أو (الصعنة) إلى (الفن) المفتوح على الابتكار والتجديد.
أولى مظاهر هذا الطموح، تجلت في خروج السجاد التزييني الجداري عن شكله التقليدي (المستطيل، المربع، الدائرة، المثلث) إلى أشكال حرة، وإلى مواد وخامات جديدة، تتجاوز الخطوط الحريريّة أو الكتانيّة أو القطنيّة، أو الصنعيّة (البوليستر) أو الطبيعيّة (النباتات اللينة والطيّعة) لتشمل الزجاج، والخرز، والمعادن، والخزف والخشب.. وغيره. هذا التجديد الخاماتي، رافقه تجديد آخر مواكب، طاول موضوعات السجاد الجداري التزييني وغاياته وأهدافه ووظائفه، ما منحه أبعاداً جديدة تناولت شكله ومضمونه.
دول رائدة
تُشير الدراسات والأبحاث إلى أن السجاد الجداري التزييني البولوني المعاصر، له طابعه المميز، لا سيما في استخدامه لخيوط مختلفة الثمن، متنوعة الألوان في تكوينها، لذلك يمكننا الحديث عنها كما نتحدث عن اللوحات أو قيم التصوير.
وكل قطعة من هذا السجاد بدون استثناء، تتميز بانسجام رائع في الألوان بما فيه تلك التي تقتصر ألوانها على الأبيض والأسود. أما القيمة التزيينية لهذه الأعمال، فمن الصعب أن تفوقها لوحة زيتيّة من الدرجة الأولى. إن الطابع المشترك والمميز للنجود اليدويّة الحديثة يكمن في أنها تُصمم مباشرةً على النول، بما يتفق مع المواد المستعملة، ومع فن النسيج، دون إعداد مسبق لها.
وهكذا فإن السجادة الجداريّة اليدوية، تتكون على النول، بإشراف مباشر من الفنان المبتكر للتصميم، وبما أن المشروع لم يوضع في الأصل سوى بخطوطه الأوليّة، وعليه أن يكتمل على النول، يتوجب على الفنان أن يكون متعمقاً في فن النجود اليدويّة، وأن يكون دؤوباً. غير أن هذا الأسلوب في الحياكة يخلق باستمرار إمكانيات جديدة، ويخلق بالنتيجة أعمالاً فريدة من نوعها، متطبعة بشخصية الفنان بشكل واضح، ولا يمكن بلوغ نتيجة ناجحة كهذه، إذا اكتفى بمجرد إعداد الرسمة وإعطائها إلى ممتهني النسيج لينينقلوها كما هي.
والحقيقة، تبدأ أصالة فنان النجود من اللحظة التي يُعد فيها خطوط المشروع، لكنها قد تتأثر بعوامل تقنية متعددة، بدءاً من اختيار النول العمودي أو الأفقي، وطريقة ربط السداة باللحمة، فإذا ما أتقنت هذه الأمور، خرجت سجادة ذات تركيب معقد جداً، لكنها ذات قيمة فنيّة عالية.
المادة والتعبير
تتأثر جماليات السجاجيد والنجود وقوة تعبيرها وحتى ماهيتها بشكل عام، وإلى حد بعيد، بالمادة (أو الخامة) المنفذة بها، وهي متنوعة للغاية. فبالإضافة إلى الصوف والكتان التقليديين، يُستعمل في إنجازها القنب والحرير الطبيعي والقطن، كما تُستخدم أيضاً الخطوط الصنعيّة (البوليستر) واللدائن المعدنية كالذهب والفضة، فضلاً عن المواد الأخرى المختلفة كالجلد والفرو والخشب والمعدن..
. وغير ذلك من المواد والخامات التي أدخلت إلى النسيج بقصد التنوع، وهذه السجاجيد والنجود الفنيّة اليدويّة، باتت متنوعة ومرغوبة، سواء منها القطع ذات البعدين، أو تلك الأعمال الفراغيّة المحجمة التي تُصنع بأعداد متزايدة، وهي بالصيغة الحجميّة الفراغيّة التي أخذتها، صارت أقرب إلى التصوير أو النحت بوساطة الخيوط والنسيج.
السجادة المنحوتة
ما هو مؤكد، وبعد إدخال طرق جديدة في حبك الخيوط التي تعني النسيج، وبعد التخلي عن التركيب التقليدي الذي يعطي الشكل المستطيل أو المربع، والاستعاضة عنه بأشكال مسطحة دائرية منتظمة، بُوشر خلال السنوات الأخيرة، بخلق تشكيلات فراغيّة محجمة على شكل جسم صلب مُعد لتزيين فراغ الغرفة وليس فقط الجدار، ما يجعل هذا النوع من النجود أقرب إلى المنحوتة منها إلى اللوحة، ذلك لأن المنحوتات المحجمة، تُظهر العمل من جميع جوانبه وكأنه بحالة حركة.
وبالتالي فإن هذا النوع من التشكيل النسيجي الفراغي يكشف النقاب عما يخالج الفنان المعاصر من نزوعات خلاقة، ترافق في العادة، حسه البحثي التجريبي، من أجل إيجاد أساليب وصيغ جديدة للتعبير بالسطوح أو بالحجوم.
تداخل التقانات
هذا التطور المتلاحق والمتنوع، في ابتكار أشكال جديدة من السجاجيد والنجود التزيينيّة، واستخدام مواد وخامات غير مألوفة في إنجازها، أدى بدوره للمزاوجة بين شغل النول وشغل اليد المباشر، ما يستدعي تدخل الفنان المباشرة في عمله، وهو ما أكسب عمله قيمة فنيّة إبداعيّة تتجاوز حدود الفنون التطبيقيّة أو الحرفيّة إلى رحاب القيم الفنيّة التشكيليّة، الإبداعيّة المتقدمة.
لقد قدم لنا التصوير الزيتي والمائي والنحت، خلال العقود القليلة الماضيّة، تجارب عديدة، خرجت عن المألوف والسائد، وحطمت الأطر والقواعد التقليديّة لهذين الفنين العريقين، وصل بعض هذه التجارب والابتكارات، إلى الصيغ الجديدة والنجود التزيينيّة، سواء من حيث المواد المستخدمة في إنجازها، أو من حيث التقنية والتكوين والقيم التعبيريّة والتوظيفيّة.
على هذا الأساس، يُعتبر طموح السجاجيد والنجود التزيينيّة التي غادرت أمكنتها، وبدّلت وظائفها القديمة، للحصول على حق المواطنيّة في جمهوريّة الإبداع، تبدو مشروعة ومنطقية، لا سيما بعد أن وفّرت لها الحرفة المتماهية بالفن، إمكانات تقانيّة كبيرة، يقودها ببراعة فنانون موهوبون، يعكفون على تطويرها وتطوير النسيج بشكل عام، وفق خطط مدروسة، تتألق من خلالها الموهبة، على شكل إبداعات لا تقف عند حد.
من هنا، أصبحت النجود جزءاً هاماً وضرورياً من الديكور الحديث، وتالياً ليس ببعيد ذاك اليوم الذي تحتل فيه السجادة الجدارية الحديثة، مكانها إلى جانب اللوحة والتمثال والمحفورة المطبوعة... وغير ذلك مما يفرزه عالم الفن التشكيلي المعاصر المفعم بروح الابتكار والتجديد الذي يطول بنيته وتقاناته وأغراضه، كما يطول المرافق المختلفة، في حياة الإنسان.
تحطيم القواعد التقليدية
قدم التصوير الزيتي والمائي والنحت، خلال العقود القليلة الماضيّة، تجارب عديدة، خرجت عن المألوف والسائد، وحطمت الأطر والقواعد التقليديّة لهذين الفنين العريقين، وصل بعض هذه التجارب والابتكارات، إلى الصيغ الجديدة والنجود التزيينيّة، سواء من حيث المواد المستخدمة في إنجازها، أو من حيث التقنية والتكوين والقيم التعبيريّة والتوظيفيّة.
د. محمود شاهين

