نفض مهرجان الخليج السينمائي أوراق دورته الثانية أمام محصلة رفعت مؤشر ضرورة وجوده ودوام هذا الوجود على الساحة الخليجية، فالفن السابع ما زال على أرضية بكر برغم مرور عقود من الزمن على انتاج أول تجربة سينمائية خليجية، وما زالت كثير من التجارب الحاضرة تحبو باتجاه صناعة حقيقة وتكوين قاعدة جماهيرية.
من البديهي في عالم اليوم والسينما تركب حصان الموازنات العالية في الانتاج لتحقيق السطوة على الفرجة البصرية، وطوفان التقنيات العالية التي دخلت على الخط وجعلت من صناعة فيلم كصناعة سفينة فضاء، ان تجد السينما الخليجية نفسها وحيدة في المنطقة بعيدة كل البعد على دائرة المنافسة. حيث بلغت صناعة الفيلم السينمائي في أرجاء الوطن العربي والمحيط الآخر كإيران والهند وتركيا مبلغا مؤثرا وواضحا وبارزا، وصارت تعرف بأسماء أفلام ومخرجين وكتاب ومنجزات إبداعية في العديد من المهرجانات العالمية بل وصار لها سوقها ومستهلكها الذي يقبل عليها ويغذي شباك التذاكر..صار لها مكان في الوسط السينمائي العالمي، وبقت السينما الخليجية ونعني هنا الكويت، البحرين، الإمارات، المملكة العربية السعودية، قطر وعمان.. إلى اليوم تقف على أرضية انجاز تاريخي فقير وتجارب معدودة تحسب على أصابع اليد الواحدة ضئيلة الانتشار والشهرة.
وصناعة لا بنية تحتية لها، وانما هي قائمة على اجتهادات واشتغالات فردية وشيء بسيط من الدعم الرسمي يسطع أحياناً ويخفت أحايين كثيرة..بقت صناعة الفيلم الخليجي في آخر السطر، على الرغم من وجود وفرة في التمويل، لأنها ما زالت تعاني من نقص الكوادر ونقص الخبرة ونقص في الاهتما.
بل في الجدوى، ان لم يكن ذلك حكما جائرا، والقدرة على المنافسة في سوق تتنافس فيه تحت مظلة العولمة اكبر الصناعات تأثيرا في العالم..فمنطقة الخليج ونظرا للظرف الاقتصادي الذي حولها إلى منطقة مستهلكة ومستقبلة لانتاجات الآخرين، تسمح بتعاطي الفرد للسينما كتعاطيه مع بقية وسائل الترفيه بل وتعتد المنطقة كونها سوقا مهمة لإمبراطوريات السينما العالمية ومستثمريها..
في مثل هذا السوق الذي تغزوه آخر صرعات هوليود وبوليود، وأمام هذه الرياح العاتية والقوية لا تبحر سفينة الفيلم السينمائي الخليجي بعيدا عن الساحل، وتبقى في حدودها وأفقها الضيق، في ظل كل هذا التزاحم الشديد، وفي ظل فقرها وعوزها.
هذا واقع واضح في الحالة السينمائية في الخليج، لكن الممانعة في الاستسلام لهذا الواقع عبر مبادرات تشجيع وممارسة وترغيب هي التي تبقي الأمل مفتوحا وحيا، فالسينما في النهاية لا تحتاج إلا لمداميكها الحقيقية..
فضاء من الحرية، دعم وتشجيع وتمويل مادي وكوادر ذات خبرة وفكرة مثيرة للاهتمام ومبدع يقرأ ما حوله من خلال عدسة شفافة وفكر يقود هذه العوامل كلها إلى بلورة صوت سينمائي يصب في خدمة الإنسان ووعيه ويعبر عن بيئته وهويتها ويمنحها الانعكاس الذي تحتاجه لكي تخرج إلى الآخر وتتعاطى معه تأثرا وتأثيرا..وفي الخليج قد لا تكون كل هذه العوامل متحققة، لكن الأمل يؤشر إلى إضاءات في الدرب..
هيئة الثقافة والفنون بدبي ومنذ العام الماضي تصدت لاحتضان فكرة مهرجان خليجي، هذه الفكرة التي ولدت منذ عقود طويلة لدى السينمائيين الخليجيين، لكنهم لم يجدوا لها حقلا ترعى فيه.. فجاءت هيئة دبي بقرارها التاريخي لتتبنى دورته الأولى التي انعقدت في العام الماضي، وشهدت مشاركات سينمائية خليجية بلغت في حدود 145 فيلما.
ورحبت الأوساط الخليجية والعربية بهذه البادرة واعتبرت القاعدة التي ستحفز على دفع السينما الخليجية إلى منصتها الحقيقية والتي هي حلم بدأ يقترب من التحقق، حينما استضافت دبي في التاسع من ابريل من هذا العام الدورة الثانية له وبمعدل أفلام بلغ 169 فيلما وظواهر مشاركات لفتت أنظار الجميع، حينما شهد المهرجان كثافة المشاركة العراقية والسعودية والإماراتية، واشتداد المنافسة بين الأفلام في المسابقة الرسمية.
فالأفلام السعودية دعت النقاد إلى اعتبار مشاركتها نقلة نوعية في المنطقة لجرأتها وتعاطيها مع قضايا بيئتها بحرية كبيرة، بل غير العديد من النقاد نظرتهم السابقة حول خصوصية التعاطي مع الفن في المملكة العربية السعودية وخصوصا السينما، واعدت الأفلام التي تسابقت في مسابقة مهرجان الخليج السينمائي نقلة تاريخية في الفضاء السينمائي السعودي، ودليل تحقق طموحات شبابية وإرادات ما زالت تعول على اللغة السينمائية وأهميتها في التاريخ..
أغلب الحضور من الذين وجدوا أنفسهم يجيبون عن أسئلة الصحافة والإعلام من السينمائيين العرب حول انطباعاتهم التي كونوها عن الدورة الثانية لمهرجان الخليج السينمائي تغلفت بالدهشة لما صادفهم من أعمال جريئة، ومحاولات مشحونة بالإصرار لانتاج فيلم سينمائي خليجي، ابن بيئته ومعبر عنها.. بكثير من التفاؤل تحدث هؤلاء عن أهمية وجود هذا المهرجان وكونه يأتي في دبي بلد المشاريع العملاقة، وحاضنة الأفكار والأحلام المستقبلية.
وعن أهمية رعاية المواهب الشابة، وعن أهمية الاتجاهات الفكرية والمستويات الفنية التي لاحظوها على الأفلام.. أما قاعات العروض التي افتتحت للجمهور فهي الأخرى قد قالت كلمتها في الدورة الثانية، حينما بدأ واضحا ان اغلب الصالات كانت كاملة العدد، وهناك من لم يجد له مكان فعاد في اليوم التالي..حالة فريدة ان يقبل الجمهور على أعمال سينمائية مهرجانية وليست تجارية، وهو وكما يبدو انه إصرار أيضاً من قبل هذا الجمهور على المساهمة في انتاج فيلمه الخليجي عبر لعب دور المتلقين في الصالة..
في كلمته التي ألقاها في حفل الافتتاح قال رئيس المهرجان عبد الحميد جمعة: نفتخر بإطلاق الدورة الثانية من مهرجان الخليج السينمائي الذي يقود عملية تغيير صناعة السينما في الخليج ويعيد رسم ملامح مستقبلها. ومثله قال مسعود امر الله مدير المهرجان: ملامح هذه الدورة أكثر قربا من ملامح الإنسان وهمومه ومسراته خاصة في الأعمال الروائية العشرة الطويلة الخليجية المعروضة.
وفي الكلمتين أشياء كثيرة عن التفاؤل والأمل طالما ان الأرضية التي ترصف للفيلم الخليجي بدأت تتشكل ذهابا إلى ملامحها النهائية.. في الأجواء تبدو واضحة الرغبة من قبل الأطراف الثلاثة لهذا المهرجان، هيئة دبي للثقافة والفنون، المؤسسات والجهات الانتاجية الداعمة للتجارب السينمائية الشبابية، والمخرجين والكتاب والممثلين الخليجيين الذين يحدوهم الأمل في غزو فضاءات الشاشة الذهبية..
عرض المهرجان الخليج السينمائي خلال دورته الثانية، 169 فيلماً من 32 دولة، منها 8 أفلام روائية طويلة، و27 وثائقياً، و106 أفلام قصيرة، إضافة إلى 28 فيلماً تحريكياً. وتتصدر الإمارات العروض بـ 38 فيلماً، بجانب 27 فيلماً للسعودية، و16 للكويت، و15 للعراق، و9 أفلام من البحرين، و3 من سلطنة عمان، وفيلمين من قطر، وفيلم روائي واحد من اليمن. كما شهد المهرجان 47 مشاركة عالمية، منها 18 فيلماً في عرض دولي أول، و21 فيلماً في عرض أول في منطقة الخليج، و15 فيلماً تعرض للمرة الأولى في الإمارات.
إضافة إلى 14 فيلماً تعرض للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط. واغلب هذه الأفلام لم تذهب بعيدا عن تماسات حادة مع الواقع الراهن في منطقة الخليج، حتى ولو كانت هناك تجارب سينمائية نحت نحو المفهوم التجاري، إلا كثير منها لك يذهب بعيدا عن أحداث مرت على المنطقة، وعن واقع جيل الشباب الذي يرزح تحت رياح العولمة، وكما يبدو من الأفلام فان هذا الجيل الذي صنع هذه الأفلام يبدو انه فهم إشكالات واقعه.
وبدأ يتلمسه من خلال شفافية السينما وحساسيتها. فكثر من الأفلام كانت شجاعة في التطرق لمناطق ربما كانت ولوقت قصير تحسب من المناطق المحرمة على التداول والمناقشة وإبداء الرأي فيها. لكن يبدو أيضاً ان هؤلاء الشباب يدركون تماما ان الفن السينمائي لا يمكنه ان يتألق ويزهر وينمو إلا حينما يكون شديد الحساسية والواقعية في التعاطي مع ظواهر بيئته..
شهد المهرجان غزارة في الانتاج، وجاءت العراق ثم السعودية والإمارات على رأس القائمة الأمر الذي يبشر بأن القادم هو أكثر تفاؤلاً وأملاً. وبالرغم من ان العبرة ليست في الكم دائما، لكن هذا الكم ايضا يوفر بيئة استعراضية مهمة لجهة الشباب، ففي النهاية سيبقى الجمهور وديمومة الأفلام الخالدة هي المحك لتلك التجارب، واذا كانت العملية تذهب إلى الكم اليوم، فمن شأن هذا الكم ان يفرز ذروته في أفلام ستكون مميزة ومتميزة وقائدة في مسيرة صناعة الفيلم السينمائي الخليجي..
بلا شك ان هذه الفورة الشبابية حتى وان شابها بعض التجارب التي مارست الاستسهال تمثل فعل جيل المستقبل في المنطقة، إلا ان الطريق أمام هذا الجيل ما زالت طويلة، واذا ما استمرت الرعاية واستمر قدوم الخبرات لتقييم هذه التجارب ستتشكل في نهاية المطاف سوية فنية ستكون القاعدة.
كما حدث في تجارب الحركات السينمائية في بلدان مختلفة. هذا هو التفاؤل الذي خيم على أجواء مهرجان الخليج السينمائي في دورته الثانية، وحتى تأتي الدورة الثالثة ستكون الملامح والمحددات قد ضاقت بؤرتها لتتصيد المهم والاهم في شأن صناعة الفيلم السينمائي الخليجي..
في هذا المهرجان بحث السينمائيون عبر جلسات ولو قليلة العديد من شؤونهم وشجونهم وهمومهم، كما نظمت ادارة المهرجان ورشة في كتابة سيناريو الأفلام الروائية الطويلة، وهو نعوس من تأسيس الدرس وهذا مهم، وكانت لقراءات النقاد رافد آخر للمعرفة، فكثير من الشباب المشاركين كانت تعنيهم هذه الجلسات التي يتأسس من خلالها الحوار..
سفينة فضاء
التقنيات العالية التي دخلت خط الانتاج السينمائي جعلت من صناعة فيلم كصناعة سفينة فضاء، لذلك تجد السينما الخليجية نفسها وحيدة في المنطقة بعيدة كل البعد على دائرة المنافسة، حيث بلغت صناعة الفيلم السينمائي في أرجاء الوطن العربي والمحيط الآخر كإيران والهند وتركيا مبلغا مؤثرا وواضحا وبارزا.
مرعي الحليان

