أصبحت الصفحات ال4500 المخطوطة من رواية «مدام بوفاري» الشهيرة، التي نشرها الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير عام 1857، متاحة على شبكة الانترنت، تماما كما كتبها مؤلفها بخط يده حيث أصبح بإمكان المهتمين والقراء الاطلاع عليها وقراءتها بسهولة، بعد أن قامت مجموعة من الناسخين، مكونة من 130 ناسخا متطوعا جاؤوا من 17 بلداً مثل الأرجنتين واليابان وتايلاند وعلى مدار عامين كاملين، بتنظيف علامات الشطب وإزالة الملاحظات عن المخطوطة الأصلية، التي أصبحت متاحة بصورة مجانية لرواد الانترنت.

عملية تشكل الفريق الذي عالج تلك الصفحات وأنشأ موقع www.bovary.fr الإلكتروني جاءت ثمرة للتعاون بين جامعة «روين» ـ مسقط رأس فلوبير، الواقعة شمالي البلاد ـ ومكتبة البلدية في المدينة نفسها، وذلك تحت اشراف بروفيسور إيفان ليكليرك، المتخصص في أعمال وحياة الكاتب ذائع الصيت. أكثر من مئة ناسخ استجابوا للدعوة التي أطلقها على الانترنت الأساتذة الجامعيون لينضموا إلى عدد من طلاب جامعة روين للعمل إلى جانب مجموعة من الباحثين المتخصصين، ويقدر أن ما مجموعه 600 شخصا قد شاركوا في هذا المشروع الكبير. تتراوح أعمار الناسخين المتطوعين ال130بين 16 عاما و76 عاما، وينتمون إلى 17 بلدا، من بينها الأرجنتين وكولومبيا وفرنسا والصين وإيطاليا واليابان والبرتغال وتايلاند، علما بأنهم يعملون في مهن مختلفة.

واجه الفريق العديد من الصعوبات ولاسيما في قراءة مخطوطات فلوبير، وذلك لكثرة التصحيحات وعلامات الشطب فيها، مما ولد ضرورة لإعادة كتابة النص كما كان في الأصل أكثر من مرة وكانت النتيجة عدة نسخ من تلك الصفحات المخطوطة، التي امتد العمل فيها من مارس 2003 حتى سبتمبر 2005، لكن عملية تحديثها ووضع اللمسات الأخيرة عليها استمرت منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا.

من خلال الموقع الإلكتروني، يستطيع رواد الانترنت أن يراقبوا بصورة متزامنة على شاشة مقسومة إلى قسمين متساويين الوثيقة الأصلية والصفحة المنسوخة التي تمت فيها مراعاة المحافظة على علامات الشطب والتصحيحات كما هي، لكن بدرجة أكبر من الوضوح مقارنة مع المخطوطة الأصلية.

الصفحة موجهة للمتخصصين وللجمهور العام على حد سواء، ومن هنا تأتي ضرورة عرض النسخ الأصلية من المخطوطات الرقمية بطريقة مبسطة ومباشرة وقريبة.

«الفكرة لا تكمن في إعطاء إجابات فورية كما لو كان الأمر يتعلق بنصوص متقنة وجميلة، بل في إتاحة العناصر والأدوات اللازمة ووضعها في الاستكشاف والبحث على كافة المستويات»، كما يشير المتخصصون في الموقع الإلكتروني عينه.

رواية فلوبير الرئيسية، الصادرة عام 1857 عقب خمس سنوات من المعالجة، تصف، بطريقة فيها الكثير من الضراوة، عادات الطبقة البرجوازية الصغيرة في الأقاليم المختلفة في ظل الإمبراطورية الفرنسية الثانية.

واعتبر صدورها فضيحة آنذاك. لا بل إن الكاتب حوكم بتهمة كتابة عمل أدبي «مناف للأخلاق العامة والمعتقدات الدينية والعادات الحسنة»، لكنه كسب المحاكمة، بعد أن ألقى محامي الكاتب مرافعة رائعة دافع فيها دفاعا مستميتا على هذا العمل الأدبي العظيم، ما دفع هيئة المحكمة ليس إلى تبرئة الرواية وصاحبها فحسب، بل إلى اعتبارها عملا فنيا متميزا أيضا.

فلوبير في سطور

ولد غوستاف فلوبير في مدينة روان الفرنسية في 12 نوفمبر 1821 وتوفي عام 1880. نشأ في كنف أسرة سعيدة ورفيعة المكانة، إلا أن حسه المرهف، وخياله الجامح أضفيا على نفسيته ذلك الشعور بالوحدة أو بالوحشة الداخلية، كما قد يعزى تشاؤمه منذ مطلع شبابه إلى أن الرومانسية كانت يومئذ في عهد ازدهارها،.

بينما كان التشاؤم موضة العصر أو إلى نوبات الصرع الغامض الذي لازمه طوال حياته، وأدى إلى عزوفه عن الزواج. أولع فلوبير بقراءة هيجو وشكسبير وبيرون وغوته وروسو، لكن هيجو كان أحبهم إليه، وحين قدر له أن يزوره في بيته كتب يقول: «لقد استمتعت برؤيته عن قرب، فحدقت به مشدوها، كما أحدق في إناء مملوء بملايين الجواهر الكريمة، مدققاً النظر في يده اليمنى التي كتبت كل تلك الروائع الجميلة».

باسل أبو حمدة