دينس جونسون ديفيز، بريطاني المولد، مصري الهوى، يقيم في مدينة الفيوم بمصر مع زوجته المصورة الإيطالية باولا. قال عنه إدوارد سعيد: «إنه شيخ مترجمي الأدب العربي إلى الإنجليزية». فعلى مدار أكثر من ستين عاماً، أثمرت جهود هذا المترجم نقل 28 عملاً إبداعياً عربياً إلى اللغة الإنجليزية نشرت في كبريات دور النشر البريطانية بل أنه أول من أطلق أسماء نجيب محفوظ ومحمود تيمور ويحيى حقي والطيب صالح وغيرهم إلى العالمية.
ما هي ذكرياتك عن ترجمة السياب ومحمود تميور وغيرهما، كيف أخرجتهما للعالم باعتبارك أول مترجم لهم؟ وكيف شعرت بحاجة العالم الغربي إلى هذه الأعمال؟شعرت في أوائل العشرينات بأن الأدب العربي الحديث بدأ يتبلور في النشر، وكان لا بد لي من الاعتناء بهذه الطاقات الشابة آنذاك في غياب المهتمين بهذا الأدب. كنت حينها أعمل في إذاعة الـ بي. بي . سي. في القسم العربي وهناك قرأت بعض قصص محمود تميور وتوفيق الحكيم. وعندما ذهبت إلى مصر سنة 1940 تعرفت على الكتاب والأدباء عن طريق محمود تيمور الذي كان يقوم بدعوة الكتّاب والأدباء الشبان على حفلات الغداء في منزله. حيث قابلت توفيق الحكيم وطلبت منه موافقته على ترجمة كتابه «يوميات نائب في الأرياف»، فعبّر لي عن أسفه الشديد لأن هناك شخصاً آخر يقوم بترجمته واسمه أبا ايبان الذي أصبح فيما بعد وزيراً للخارجية الاسرائيلية.
لكني قمت بترجمة أعمال أخرى له فيما بعد. ومن هم الكتاب والأدباء الآخرون الذين ترجمت لهم؟ كنت أجمع القصص التي يكتبها الأدباء العرب وأنشرها على حسابي الخاص لأنه لا يوجد ناشرون يهتمون بالأدب العربي آنذاك. وكنت أحياناً أتأخر في نشرها فكان يحيى حقي يمازحني قائلا: أين القصص التي جمعتها؟ في الواقع، تركت مصر عام 1949 ولكني كنت أتردد عيلها قبل الاستقرار فيها نهائياً . كانت مشكلتي دائما هي العثور على دور النشر إلا أن المصادفة جمعتني بأحد الأشخاص في دار نشر في جامعة أكسفورد، فوافق على نشر مجموعة قصصية عربية بشرط أن أوفر لهم مستشرقاً كبيراً يكتب مقدمة فالجمهور لا يعرف شيئا عن الأدب العربي الحديث. اتصلت بأحد الأساتذة في كامبردج طالباً منه ذلك وإلا يبقى الكتاب على الأدراج، فوافق على كتابة المقدمة وصدر الكتاب في عام 1967.
إلا أنه لم تبادر أية حكومة أو مؤسسة عربية واحدة على شراء نسخة من الكتاب. ثم عثرت على جيمس كارييه عن طريق «يونفرستسي بريس» الذي كان حينها يقوم بتأسيس سلسلة كتب تحت تسمية «أفريكان رايترز» أي «كتاب أفارقة».. وأخبرني بأنه يمكن أن ينشر لي ترجمات كتب إلى الانجليزية.
وقدمت كلا من توفيق الحكيم والطيب صالح باعتبارهما أفارقة..ولكنه قال لي: ماذا نفعل لو ترجمت لكاتب عربي غير أفريقي مثل غسان كنفاني؟ وآنذاك اقترحت على دار «حاينمن» تأسيس سلسلة جديدة تحت اسم «كتّاب عرب» حيث دامت عشر سنوات ونشرنا 24 عملاً.. ولكن هذه السلسلة كانت أقل مبيعا من السلسلة الأفريقية. واشترط الناشر توفير دعم نحو 5 أو 10 آلاف جنيه لكني لم أتمكن من توفير ذلك، فتوقفت السلسلة.
وما هي وضعية النشر بالنسبة للكتب العربية المترجمة إلى الانجليزية في الوقت الحاضر؟
لقد تغيرت الأوضاع الآن لأن الاهتمام بالأدب العربي ازداد كثيراً عما كان عليه في الماضي. وقد سألني بعض الشبان عن رأي الجمهور الانجليزي بنجيب محفوظ، فكان ردي: بأن الجمهور الغربي لا يعرفه لأنه غير مترجم إلى اللغة الانجليزية .
ما هي قصة مساهمتك في تأسيس جائزة نجيب محفوظ؟
التقيت برئيس الجامعة الأميركية الذي اقترح علي تأسيس هذه الجائزة وهي جائزة نجيب محفوظ، أول جائزة للأدب العربي. فذهبنا سوية إلى بيت نجيب محفوظ ووافق على الفور على تسمية الجائزة باسمه. وقد خصصوا ألف دولار كقيمة مادية للجائزة وهو مبلغ زهيد ولكنها تضمن للرواية الفائزة ترجمتها ونشرها باللغة الإنجليزية.
هل يهمك كتاب عرب معينون تقوم بترجمة أعمالهم؟
ترجمت كل أعمال الطيب صالح لأنني وجدت فيه كاتباً أصيلاً عبّر عن العالم العربي ولكن للأسف الشديد غالبية الناس لا يعترفون إلا بـ « موسم الهجرة إلى الشمال» بينما أعتبر روايته « عرس الزين» أكثر أهمية منها.
كيف يتم اختيار الكاتب للترجمة ؟
أقوم بترجمة الكتّاب والأدباء العرب الذي أحب أعمالهم على الرغم من شهرتهم أو مكانتهم. فقد ترجمت «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي. وكان للجامعة الأميركية في القاهرة مشروع لترجمة جميع أعمال نجيب محفوظ لكن طريقتهم لم تعجبني حيث تتلخص في أن يقوم مترجم عربي بترجمة أولية ثم يأتون بمترجم انجليزي يعرف العربي ويدقق الترجمة أو يقوم بصياغتها من جديد. وإذا كان من النادر أن يقوم شخصان بكتابة رواية فإنه من الصعب أن يقوم شخصان أيضاً بترجمة عمل واحد.
وهل قمت بترجمة الشعر؟
ترجمت بعض أشعار محمود درويش الذي كان يبحث عن شخص يترجم شعره. فطلب مني غسان كنفاني مقابلته وقمت بترجمة بعض أشعاره ولكني أؤمن بأن الشاعر أقدر على ترجمة الشعر من أي شخص آخر.
ما هي قصة لقائك بالشاعر العراقي بدر شاكر السياب؟
جاء الشاعر بدر شاكر السياب إلى لندن أثناء مرضه. وسكن في فندق كامبلن ومن هناك اتصل بي وطلب مني زيارته. فذهبت لرؤيته في فندقه لكنه لم يكن يستطيع المشي. ولم يفتح لي الباب إلا بعد خمس دقائق. وجدته مشلولاً وأخبرني بأن طبيبه أكد بعدم شفائه. ثم سألني فيما لو أعرف طبيباً آخر: قلت له أجل عندي طبيب ولكنه بعد إجراء بعض الفحوصات عليه أكد الشيء ذاته. كان يعاني كما أعتقد من السل وهو في الـ 38 عاما من عمره. بعدها ترك لندن وذهب إلى الكويت حيث توفي هناك. ترجمت له أنشودة المطر وقصائد أخرى. وقد حصلت على قصائده بخط يده.
شاكر نوري


