أن يمتزج كل الجمال في قلب واحد، بوجدان واحد، أن تعشق البحر، أن تغني دقات قلبك مع طيور الحبارى، أن تود لو تقبل الأرض التي ضمتك على ورودها وغطتك بنخيلها الوارف، فأنت بلا شك «رومانسي».

إذا كان الشعر قد خصص على مدى حقب طويلة مدرسة للرومانسية يعرفها كل مهتم بالشعر والأدب، إلا أن كثيرين يرون أن زمن القصيدة «الرومانسية» قد ولى، بكل ما تحمله من معانٍ، بينما يدافع آخرون عنها مؤكدين وجودها بقوة، معتبرين من يحاربها ذو أفق ضيق، أرادوا أن يعزلوا الشعر عن الحياة. مشددين على أن القصيدة الرومانسية لن تموت؛ لأنها تدخل في وجدان حركة الشعر، لكنهم أيضا أكدوا على عدم وجود قصيدة رومانسية من الألف إلى الياء، وعلى الرغم من التقارب والتجاذب بين التيارين في بعض الجوانب، إلا أن الاختلاف يكمن في ادعاء البعض موتها والآخر وجودها بقوة في كل الأزمنة.. تعالوا نتعرف إلى رؤى كل فريق: يقول الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة إن الرومانسية كمذهب فني أمر تجاوزه الزمن، ونحن في مرحلة تختلف فيها التيارات؛ نتيجة لاضطراب الواقع الذي نعيشه، وأصبح بذلك المشهد الشعري في مصر والعالم العربي ممزقا، تسيطر عليه العزلة وتتقاطع بداخله الرومانسية والواقعية والحداثة وبعض نماذج الكلاسيكية.

وهو الواقع الذي تسيطر عليه الفوضى. رغبة الحب يضيف: هناك قصائد تصدر عن عاطفة عميقة، تتفجر وجدانا وأصالة فنية، هذه القصائد لها خصوصية على الرغم من أن التيار الرومانسي قد مات وولى زمنه، لكن إذا نظرنا إلى تلك البؤرة العاطفية المتأججة التي تلهم الشعراء وتدفعهم إلى الحب والتحليق في الأفق والغوص في التراث ستظل الرومانسية إذا كانت بهذا المعنى جزءا أساسيا من كل إبداع شاعري حقيقي. وإذا تحدثنا عن مستقبل الرومانسية أقول بأنه لا يمكن التنبؤ به، لأن التطور حتمي، والزمن يمضي للأمام وليس للخلف. لكن نستطيع القول إن أشواق الإنسان المعاصر تحترق، وهو يتطلع إلى حب عظيم أو ثورة كبرى، أو فعل إنساني رفيع، والدليل أن فيلم »تيتانيك« قد خلب حاجة عميقة لدى البشر جميعا، وفجر في نفوسهم رغبة الحب بطريقة متكاملة، وليس بالطريقة التي تجعل الحب مرادفاً للجنس.

وحول وصفه بالشاعر الرومانسي أضاف: من يصنفون الشاعر بأنه شاعر رومانسي، لا يعرفون أن الرومانسية أصبحت من الماضي، فهم حين يصفون تجربتي بالرومانسية يجعلونني خارج إطار الحداثة. وإذا فهمنا الرومانسية باعتبارها علاقة حميمية بالوجود، سوف نرى أن كل عمل شعري وأدبي ينطوي على عنصر الرومانسية، لكن العصر الذي نعيشه أفرغ الرومانسية من محتواها، لاسيما أن الشعر في جوهره ذاتي وطامح إلى المثالية، ولا يمكن أن ينافس الرواية في واقعيتها، ويجب أن نبتعد عن الفهم المضلل للنماذج الشعرية المطروحة الآن، وعلينا أن نوجه السؤال المباشر حين نجعل القصيدة في المختبر، هل هي قصيدة عميقة وحقيقية أم هي قشرية وسطحية؟ لأن القصيدة الحقيقية هي امتصاص عميق لرحيق كل التيارات المعاصرة.

لن تموت.. لا تموت

الشاعر حسن طلب اختلف من جانبه في طرحه لهذه القضية مع أبوسنة، مؤكدا أن القصيدة الرومانسية لن تموت، مثلها مثل القصيدة الرمزية أو الواقعية وغيرها من القصائد مهما كان اتجاهها، لأن هذه الاتجاهات ليس لها عمر افتراضي تولد ثم تموت، لكن هي اتجاهات ثابتة دخلت في نهر الشعر ودخلت في وجدان حركته، وعلينا أن نفرق بين المذهب الرومانسي التاريخي بمعناه الضيق.

وهو المذهب الذي نشأ في أوروبا أواخر القرن ال18 وأوائل القرن ال19، وبين الرومانسية بمعناها العام باعتبارها نداء من الأعماق، تتجاوب فيه الذات مع العالم بأشيائه، وبكل ما يطرحه من قضاياه، ويعبر عنها الإنسان حتى قبل أن يوجد المذهب الرومانسي نفسه، والقصائد العذرية التي كتبت منذ 14 قرنا هي قصائد رومانسية، بمعنى أنها تتغنى بأشواق الرومانسية وترى العالم من خلال مرآة الإنسان الفرد بأشواقه وهمومه ومعاناته في الحب أو غير الحب، لذلك الشعر لا يتملك ترف التخلي عن الرومانسية.

طلب أضاف بأن الرومانسية أصبحت الآن رافداً ضمن روافد كثيرة، تصب جميعها في نهر القصيدة، فنستطيع أن نجد في القصيدة الجديدة لمحات رومانسية بجانب لمحات واقعية رمزية، كما أن مهارات الشاعر تمكنه من أن يصنع الوحدة من كل هذه الروافد في نص متماسك فنيًا ومقنع جماليا، لاسيما أن القصيدة المعاصرة ورثت كل المذاهب والتيارات التي مر بها الشعر عبر تاريخه.

كما يستطيع الشاعر المعاصر أن يعود إلى الشعر الجاهلي أو حتى هوميروس في القرن العاشر قبل الميلاد، أو قبل ذلك بعشرة قرون، كأن يعود إلى شعر الغزل في مصر القديمة، فالرومانسية لا تموت وكل مذهب فني لا يموت، لكن البعض يعود إلينا بصورة أخرى بدون أن تشعر أنه مجرد تكرار، وهذا يتوقف على الموهبة وعلى مهارات الشاعر نفسه.

شيء اسمه الحب

اتفق الشاعر فاروق جويدة كثيرا مع طلب، ووجه انتقادات حادة لمن يرون أن الرومانسية قد ماتت قائلا: في حياتنا أشياء لا يمكن أن تغيب مادامت هناك »أم«، فهناك شيء اسمه الحب، ومادامت هناك علاقات إنسانية رقيقة فهناك شيء اسمه الرحمة، ومادامت هناك قلوب تحب فسوف تبقى الرومانسية.

الرومانسية ليست أغنية حب جميلة، أو قصيدة ناعمة يكتبها شاعر، لكنها أسلوب حياة لن يستطيع الإنسان أن يتخلى عنه؛ لأن غياب الرومانسية يعني غياب المشاعر، ولنا أن نتخيل هذا الكون إذا أصبح بلا قلب؟!

جويدة أيضا عكس ما يراه الشاعر أبو سنة حول تسميته بالشاعر الرومانسي، فأبو سنة يرى أن ذلك يعني اتهاما مباشرا له بأنه خارج إطار الحداثة، لكن جويدة أكد أن مناداته بشاعر الرومانسية يسعده جدا،.

وقال »مازال يسعدني جدا أن القصيدة الرومانسية هي المتنفس الوحيد لي، على الرغم من أنني أصبحت الآن أعاني من ابتعادي قليلا عن القصيدة الرومانسية، بعد أن حملتني السياسة إلى شواطئ بعيدة، فلست سعيدا بشعري السياسي لأنه يرهقني كثيرا، وأتمنى لو عشت في مرحلة زمنية أعتني فيها بالحب فقط، فما أروع ذلك.أضاف متحسرا: لكن من أين لي ذلك، القبح والرداءة يطارداني في كل مكان وفي كل المجالات.

مرآة الواقع

وعلى الرغم من الاتفاق الكبير بين الشاعرين حسن طلب وفاروق جويدة واختلافهما مع أبوسنة حول هذه القضية، إلا أن المفكر محمود أمين العالم عزز من رأي أبوسنة، مؤكدا اختفاء الرومانسية، باعتبار أن الواقع هو المرآة الذي ينعكس في الأدب والشعر، وأرجع هذا الغياب لعدد من الأسباب.

موضحا أن الواقع الآن لم يعد يفرز أية رومانسية من أي نوع في ظل غياب القيم والانتماء والمعاني الجميلة، التي طالما تغنى بها عبدالحليم حافظ، فالواقع الآن هو الأساس، فعندما كان الشاعر رومانتيكياً، كانت هناك نغمة يرددها الواقع ويرددها الفنان والشاعر والأديب، أما الآن إذا وجدنا شخصا رومانتيكياً نقول عنه إما مغيب أو منعزل عن الواقع، فإذا نظرنا إلى المشهد الغنائي الآن على سبيل المثال سنجده مليئا بالجمل الضيقة والشاذة والمبتذلة، بينما كانت في الماضي الأغنية هي الملاذ من الأجواء المتوترة، وأصبحت الآن تصيب الإنسان بالتوتر.

عوالم الحداثة

بينما أكد شاعر العامية سيد حجاب أن الرومانسية بمعناها كمدرسة أدبية انتهت تاريخيا، لكن كلمة الرومانسية مازالت تعيش بيننا، وتدعونا إلى الخيال المطلق والعواطف المشتعلة، وفي الفترة الأخيرة من حياتنا الوطنية والأدبية والاجتماعية تراجع معنى الرومانسية، وإن كان مازال موجوداً في الأعمال الإنسانية الأدبية والفنية الجميلة، وأذكر بأنه مازالت الحاجة لهذا الخيال المنطقي والمشاعر المتأججة والعواطف المشتعلة حاجة إنسانية مهمة، نفتقدها كثيرا في إبداعنا المعاصر.

حجاب أوضح أن الرومانسية بمعناها كمدرسة أدبية بدأت مع سقوط أنماط الحياة الكلاسيكية وبداية الثورة الصناعية، والدخول في عوالم الحداثة، حين يشعر الفرد بأنه سيد مصيره، وتفجرت الرومانسية في الشعر وفي الفنون كافة، ففي المسرح مثلاً كان أمامها شكسبير الذي حطم الوحدات الثلاث الكلاسيكية للمسرح »وحدة المكان، وحدة الزمان، وحدة الحدث«، وفي الموسيقى خرجت من مفاهيم الموسيقى الكلاسيكية والباروكية.

ودخلت في حيز التعبير الموسيقي من خلال بتهوفن وسيمفونياته ذات العناوين الأدبية، التي كانت حركتها مبنية على تصعيد الفرح، هذه الرومانتيكية عرفت من خلال مرحلتين ـ حسب لويس عوض في كتابه »الرومانتيكية الإنجليزية«.

حيث كانت المرحلة الأولى مرحلة الفرد الحالم الذي يحلم بمستقبل إنساني أجمل، وبعد أن تأسست الدولة الحديثة أُنكرت الرومانتيكية، وصارت تعبيرا عن أحزان الفرد الذي تقهره الأنظمة، وعرفت الرومانسية أشعار »دوموسيه« التي تتأمل الوجود بنوع من القلق والخوف على مصير الفرد في مواجهة الأنظمة الحاكمة، هذه المدرسة أخرجت الأدب من مسلماته، وانطلقت لتأسيس كل مدارس الحداثة وما بعدها.

الواقع القاسي

القصيدة الحديثة تعكس هذه الأزمة، ليست فقط أزمة الرومانسية، ولكن كل القيم المفتقدة، المشروع القومي، غياب عبدالحليم، غياب المستقبل الذي يمكن أن يشعر الإنسان بعدم القدرة على التوقع بالنسبة لما هو قادم. لأن التوقعات باتت محبطة ومظلمة، والناس تعيش وراء المتع المادية مما أدى إلى كل هذه العوامل والأسباب التي أدت إلى تواري الرومانسية، ومن أجل أن نستردها علينا بتغيير الواقع الذي أصبح شديد القسوة.

خدمة: وكالة(دار الإعلام العربية)