إن ما يسمى ب(تجميل الوجه) أو(مواراة الوجه خجلاً)، أو الخوف من النظر في وجه ما... الخ، تمثيل لقيم اجتماعية متحولة، وخصوصاً حين يتجاوز الوجه مفهومه العضوي، فيكون رمزاً، عندما تتلخص جماعة ما أو أكثر في(وجيه) أو في(موجّه)، أو نصعد بالمفهوم إلى (الوجهة) فتكون الجغرافيا، أو ما يخص الثقافة(الواجهة الثقافية)

لا يحتاج سؤال الوجه إلى وصَّاف أو دليل سياحي للتعريف به، لأن الاسم بالذات يقود إلى مسمَّاه: الوجه من الواجهة. لكن الخدعة الكبرى هي تلك التي تتم باسم الوجه، إذ لا يكون وجه ما، إلا ويربض خلف جلده، أو أدمته وجوه عدة له. وفي الوسع القول بأن الوجه خارطة جغرافية كاملة وهي تحمل آثارنا. الوجوه تتفاوت، مثلما تتواجه، أو تتصارع، كما لو أن وجوهنا ساحات نزال للنظر وإمعانه ولاختبار الآخر. كل وجه يحمله صاحبه بقدر ما يكون متراساً له، وهو نفسه يكون المعرَّف به، إنه نجمه الساطع والآفل، بما أنه ملتقى العالم أجمع!

ولعل المثار باسم الوجه في مجالات مختلفة يبرز خطورة موقعه، حيث إن غالبية الأشياء بقدر ما تكون وجهية، إذ إن الوجه هو الذي يضعنا إزاء مدخل الجسد، بقدر ما نرتد إلى الوجه، لكأن السؤال عن أي شيء ينصبُّ على وجهه معرفةً ودلالة وقيمة. إن ملثّم الوجه يكون مبلبل النظرات، يبعث على الخوف، بقدر ما يهدد الآخرين من حوله، إنه ناكر لهويته تماماً.

وهذا يشكل تحدياً للجهات المعنية فلا شيء يحل محل الوجه المرئي، وضياع الوجه أو تغييبه يعني مباشرة الدخول في متاهة التأويل، والذين يحاولون نهب الآخرين أو نشلهم أو ممارسة السرقات وغيرها في مسلكيات تثير فزع المجتمع، ينزعون عن أنفسهم صفة الوجهية كما تقول تصرفاتهم. إن اللثام تعمية الناظر عن رؤية من يكون أمامه، وفي الحالة هذه فإنه من الصعوبة بمكان إقامة تفاعل بين شخصين أحدهما ملثم وكأن اللثام حاجز يحول دون إمكانية التفاعل. إن وجوهَنا مجتمعاتنا، لغاتنا التي تشعرنا بالطمأنينة أو خلافها.

وما يؤكد ذلك هو أن الفنانين ممن يعملون على رسم الوجوه بصيغ مختلفة، هم أكثر انشغالاً وشغفاً بها! الوجه عقدة كل فنان، لأن مقدرة الفنان الإبداعية تتوقف على مدى استنطاق ما وراء الوجه، حيث الوجه ليس حصيلة ما يكونه فقط: جبهة وعينين وأنفاً وفماً...الخ، إنما ما يصعد إليه أيضاً، فيكون حلبةَ المرء أو كتابه المغلق أو المفتوح بطريقة ما.

الوجه يلخص الجسد، والجسد إنساني بامتياز، والمزج بين وجه إنساني ووجه حيواني دخول في التورية أو الاستعارة، فثمة مكر في الموضوع، إذ يحاول الفنان توسيع حدود موضوعه وتعقيده معاً، يحاول مواجهتنا بحقيقة أخرى من خلال فعل الاستعارة الوجهي، وفنانو الكاريكاتير أكثر من يهمهم موضوع كهذا.

إن كل ما يسكن الوجه ويمثل عنصراً من عناصره يقابل جانباً من العالم الذي يعنينا، عالم الجسد وما هو أبعد منه، ونحن في تركيزنا على الوجه وما هو وجهي إنما نضع نقاط استناد مكانية لنا في محيطنا الاجتماعي والمادي، وحتى في عالم المتخيَّل، عندما نمارس تغييراً أو تحويراً فيما نرى أو نريد رؤيته،.

وبالتالي فإن الوجه ليس مفردة بسيطة إنما مركَّبة، والأكثر من هذا وذاك ليس في حوزتنا ما نسميه بالوجه! الوجه عتبة دخول إلى عالم الآخر، رغم الاستعمال الدائم للوجه هذا في لغتنا المحكية والأدبية. الوجه فاعل خدمي أولاً وأخيراً، إنه رهن موجّهه: صاحبه، بالرغم من أننا نعلم بحقيقة الوجه ودلالته العمرية والصحية أو الجمالية كلياً، ولكن لحظة تلفظه أو تخيله ربما يتشكل انزياح المشهد الرؤيوي، فيأتي الفم، أو الذقن أو الخدان.

أو العينان مباشرة وما يحيط بهما، ولهذا فإن أياً منا سواء في حالته الطبيعية أو عندما يتقدم به العمر، أو ينظر في وجهه عبر المرآة يومياً مرات عدة، يقفز في الحال إلى ما وراء الوجه، إن مجرد الطمأنة على الوجه يحضّر الخطوة اللاحقة والتي من شأنها تغييبه، أي التعامل على أساس نفسي. إن ما يسمى ب(تجميل الوجه) أو(مواراة الوجه خجلاً)، أو الخوف من النظر في وجه ما... الخ، تمثيل لقيم اجتماعية متحولة، وخصوصاً حين يتجاوز الوجه مفهومه العضوي، فيكون رمزاً، عندما تتلخص جماعة ما أو أكثر في(وجيه) أو في(موجّه)، أو نصعد بالمفهوم إلى (الوجهة) فتكون الجغرافيا، أو ما يخص الثقافة(الواجهة الثقافية)..

وفي كل ما ذكرنا كان الوجه وليس سواه، ورغم ذلك فإننا نغمطه حقَّه رغم أننا نراهن عليه، عندما نحمّله ما ليس له «شأن» فيه، فما يتلون به تعبيرياً، وما يؤول إليه مصيراً مع العمر، وما يتراءى عليه هيئة، إنما هو فعلنا الاجتماعي أو الفردي، إنه محطتنا الجسدية في حلنا وارتحالنا، مرآتنا التي يمكن للآخرين وحدهم النظر فيها، فيروننا دون أن نراهم خلاف وقوفنا أمام المرآة، هذا إذا كانت المرآة ذاتها تقبل بالوجه كما هو، فالمرآوية لا تواجهنا بما نحن عليه وجهياً، إنما هي ذاتها تستجيب لمعدنها، بقدر ما تقدّم تقريراً بصرياً نقرأه في الحال.

وما في ذلك من خداع بينيٍّ، إذ نحاول الظهور كما نشتهي أحياناً، وكأن المرآة تضحك فيما نريد إخفاءه، فتتشكل مرآة داخلية وما في العلاقة من انقلاب على الحقيقة التي تعنينا، وكأن المرآة ذاتها انسلخت من ماديتها وشكَّلت عيناً علينا، كما في الإحراج الذي يمكن للمرآة أن تسببه لأحدنا وهو يواجه صورته الاجتماعية في وضع ما، وكيف يمكنه أن يكون إن واجه من يعنيه أمرهم أو بالعكس.

الوجه سقفنا المستعار، والرهان الأكبر هو كيفية الحفاظ على هذا السقف للحيلولة دون أن «يدلف»، أو ينهار من خلال جملة قوى ذاتية، هي قواعد الجسد الذوقية والاعتبارية، وبالتالي يكون الوجهُ الأبقى بسقفه العالي ذاك الذي يتقدم به العمر بينما وجهه يزداد نضارة، وذاك وجهه الداخليُّ لسان حال فعله!

إبراهيم محمود