هي حيلة الإنسان في استغلال الطبيعة وما يتوفر له في نظرية قائمة على الربط ما بين ما يمكن استغلاله لتلبية الحاجة ويدفع به خيال الابتكار.. فالصخور المرجانية التي تكثر في المياه الضحلة في امتداد سواحل الخليج العربي يكونها كائن مائي بسيط يبني مأواه اعتمادا على العناصر التي يتكون منها ماء البحر ومنها الكلس يبني هذا الكائن مسكنه ليحميه من المخاطر ولتوفير بيئة ملائمة للعيش.
هاذ البناء نفسه يتحول إلى حجر في نظر الإنسان الذي بدوره استغله لبناء مساكنه على اليابسة، رحلة طويلة لهذا الحجر المرجاني الذي ينتقل من أعماق البحر ومن وظيفته في احتضان ذلك الكائن المائي إلى انتقاله بواسطة الإنسان إلى اليابسة ليتحول إلى منزل يتكون من غرف ودهاليز.. اخذ الإنسان من هذا الكائن المائي مسكنه وسكنه، هذا الحال يتكرر دوما في مناطق ساحلية في العالم، حيث تشكل صخور المرجان لبنات المنازل الطينية، وللحجر المرجاني حياة وموت، حيث يكتسب المرجان في حياته ألوان زاهية في بيئته مغرية وجميلة وتستحق التأمل، لكنه في مماته تبيض تلك الصخور وكأنها تشيخ.. فتصبح سهلة على الاقتلاع.
ومياه الخليج العربي تشتهر ببيئتها المناسبة والملائمة بالشعاب والحيود المرجانية، ولهذا وجدها إنسان المنطقة أمام عينه، فأبحر باتجاهها واخذ يقتلع منها أحجار بيوته..على امتداد سواحل الخليج العربي توجد مئات من الأحياء السكنية التي شيدت من حجارة المرجان. ولا زالت باقية لليوم وتشهد على أنها من الأبنية التي استطاعت مقاومة عوامل التعرية الجوية طيلة عقود من الزمن...خطر انقراض المرجان أصبح يهدد العالم، ففي دراسة كونية عن تقييم خطر انقراض المرجان في العالم والتي قدمتها مجلة « ساينس » الأميركية المشهورة والتي تناولت هذا الموضوع، بان خطر انقراض المرجان يهدد ثلث أنواع المرجان الموجودة بالعالم وذلك بسبب التغيرات التي طرأت على المناخ وتطاول يد الإنسان على السواحل وأفكاره التطويرية والممارسات الخاطئة التي يقوم بها.
وهو يتخلص من مواده السامة والفتاكة بالبيئة وكائناتها. وتتكون الصخور المرجانية التي تشكل الحيود البحرية التي يعرفها البحارة وربابة السفن الشراعية قديما من كائنات يطلق عليها اسم حشرات المرجان يقال إنها تعمل وسط علاقة بيولوجية مع قناديل البحر في بناء الحيود، حيث تقوم تلك الحشرات المرجانية بامتصاصها وتحويلها إلى دروع كلسية، هذه الدروع تتشكل تبعا لطريقة البناء وطريقة التدريع التي يحتمي بها ذلك الكائن المائي..
ومنها جمع أجدادنا صخور المرجان الدائرية الشكل من قاع البحر واحضروه إلى الساحل، حيث يتعرض لأشعة الشمس ليفقد المياه المتشربة بين خلاياه، وحينما يجف يصبح صخرا خفيف الوزن يمكن تشكيله وتهيئته بالطريقة المناسبة.. بنى آباؤنا واجدادنا في الخليج بيوتهم من تلك الصخور المرجانية التي هي أصلاً بيوت ذلك الحيوان المائي أو درعه الكلسي.. ومن منطلق هذه المقاربة يصبح السؤال، لماذا توجه أجدادنا إلى صخور المرجان ولم يتوجهوا إلى استخدام صخور الجبال؟
وهذا السؤال يحمل إجابته في داخله بطبيعة الحال، فحينما كان النقل بواسطة الجمال والبغال والحمير لم يكن من السهل قطع مسافات طويلة بين الساحل والمناطق الجبلية لجلب الحصى الجبلي، كان البحر اقرب، وكان يلفظ بنفسه صخور تلك الحيود المرجانية حينما تموت ويبيض لونها..حيث تتحرج الأمواج العاتية تلك الصخور وتلقيها على الشواطئ كأنها هدايا مجانية..
في الإمارات تشكل البيت الصخري قديما تبعا لطبيعة مكانه، فبيوت وخيام الصخور الجبلية كانت وما زالت عند أهل الجبال، أما المدن التي تكونت من بيوت طينية، فقد كانت قريبة من الساحل.. والتي ابتعدت عن الساحل والجبل وغاصت في رمال الصحراء فقد اعتمدت على خيام الشعر وسعف النخيل وذلك لسهولة بنائها وسهولة هدمها أيضا.. أما على الساحل فأقدم المباني التي تشكلت لبناتها من صخور الحيود المرجانية يبلغ عمرها في دبي وعلى اقل تقدير حوالي مئة عام.
وهذا الرقم ليس دقيقا لكنه تقديريا صرح به من اهتموا بدراسة وترميم تلك البيوت، مثلما حدث في منطقتي الشندغة والبستكية وبعض البيوت القديمة في منطقة الراس في ديره..
وأيضا البيوت التراثية في الشارقة في منطقة الشويهين..فهذه البيوت بنيت بالطريقة ذاتها وبالمواد الأولية نفسها..لم يشتهر من أبناء البلد الأصليين من هم بنائين لهذه البيوت، لكن اغلب البنائين الذين ذاع صيتهم في ذلك الوقت كانت أصولهم إيرانية..
وكان البناء يطلق عليه اسم «استاد» وله من يعاونه في حرق الطين وإعداده، وهذا الطين عادة ما يخلط بالتبن والرماد لكي يكون رابطا بين الصخور.. سكان البيوت الطينية القديمة والذين منهم ما زال على قيد الحياة يقول اغلبهم إن تلك البيوت الطينية المكونة من صخور المرجان، لها مزية فريدة، فهي باردة في فصل الصيف ودافئة في فصول الشتاء، كما انها مقاومة وأقوى من الاسمنت الذي يتشقق مع مرور الوقت..
وبالرغم من أن هندسة البناء والتكنولوجيا التي دخلت في تصنيع الخرسانات الحديثة قد صنعت الأبراج الشاهقة وذات الأشكال الهندسية المثيرة للإعجاب والدهشة، إلا أن أصحاب بيوت المرجان ما زالوا يصرون على بقاء بيوتهم طيلة كل هذه العقود من الزمن وهو دليل إثبات على انها الأفضل في التحمل والبقاء..
أفرزت مهنة بناء بيوت المرجان مهنا أخرى على امتداد ساحل الخليج، ومنها تخصص قوارب خشبية في الإبحار في المياه الضحلة بحثا عن الحيود المرجانية التي تقتلع منها الصخور وسمى الأجداد هذه الأماكن باسم «المقالع» ومفردها «مقلاع»، وتخصص بحارة وعادة هم من جيل الشباب في الغوص لجلب تلك الصخور واقتلاعها من القاع..أما طريقة بيع هذه الشحنات فكانت تتم على الشاطئ الرملي للبحر، حيث تكون هذه الصخور على شكل أكوام هرمية ويقف بجانبها رجل يصيح عليها..
وتقدر قيمة الهرم الواحد من المرجان بما يعاد «روبيتان» والروبية هي العملة الهندية التي سادت على سواحل الخليج العربي في ذلك الوقت. أيضاً كانت هناك عمليات فرز لتلك الصخور، فليست جميع أهرامات المرجان متشابهة أثناء عرضها للبيع، حيث تفرز الصخور الكبيرة عن الصغيرة، ولكل استخداماته، فالصخور الكبيرة ستكون الأساس في البناء فيما تعمل الصغيرة على سد الثغرات بينها.
ولكل حجم تقدير وقيمته كما أن عملية جلب حصى المرجان فتحت أبواب الرزق أمام العديد من الرجال والصبية الذين وجدوا فيها مصدرا للدخل وبطبيعة الحال كانت تنشب بعض المناوشات بين السفن الخشبية الصغيرة ومن عليها من عمل حينما تبدأ الحيود المرجانية تشح بالصخور فيبدأ الصراع على ما تبقى منه..
لم تكن طلبات بناء البيوت الطينية طلبات كبيرة، فليس الجميع يملك المال لبناء بيت طيني، إلا أولئك الذين يعتبرون من علية القوم، شيوخ البلاد وتجار اللؤلؤ وربابنة البحر والأعيان، وهؤلاء قلة.
ولهذا لم يشكل اقتلاع صخور المرجان خطرا على الحيود المرجانية، فما يقلع هذا العام يتم تعويضه في العام المقبل. هي دورة حياة كانت تدور بإيقاعها الطبيعي دون تدخلات قاسية من الإنسان، لم يكن أولئك الأجداد قاسون على الطبيعة من حولهم، كانوا يراعونها ويعرفون أن هناك حدا يتوقفون عنده حينما يصل الأمر إلى الضرر بالطبيعة، لم تكن لديهم علوم وأخبار وخبرات علمية، وإنما كان تفاعلهم الطبيعي معها يدفعهم للشعور بملماتها.
لم تكن بناء بيوت المرجان تتطلب إجراءات روتينية كبيرة في ذلك الوقت، فالأمر لا يتطلب عناء كبيرا فليس هناك أوراق ولا تصاريح بناء ولا استشارة هندسية ولا مقاول كما يقول العم محمد العبار، فالعملية تبدأ بزيارة لمنزل «الاستاد»، الذي سيبني البيت، فهو الذي سيقدم الاستشارة وهو الذي سيحسب عدد الشحنات من صخور المرجان.
وعدد الأخشاب وعدد الرجال الذين سيعملون بجانبه في إعداد الطين والجص، في تلك الزيارة سيتم التفاهم على التكلفة الكاملة، ومن ثم سيقوم هذا «الاستاد» بزيارة الموقع ليبدأ في التخطيط على تراب الأرض.. وسيكون الحديث عن أماكن الغرب والباب الرئيسي وما إذا كان البيت سيتكون من دور ارضي وآخر علوي وأماكن الشبابيك وتفاصيل النقش على الخشب. ومن بعدها تبدأ القوارب الخشبية في نقل أحجار المرجان إلى الشاطئ ومن ثم نقلها إلى موقع البناء..
ترحل صخور المرجان من حيودها في البحر إلى اليابسة ثم تندس بين الطين المحروق في الجدران لتبقى هناك. لقد تركت بيوت الطين، أو بيوت المرجان بعدما جاء الاسمنت والطابوق الحديث وانتقل الناس إلى البيوت الحديثة وهجرت أحياء سكنية بكاملها، ومع مرور الوقت وطول فترة الهجران تأكل منها الكثير، وهدم وأزيل منها الكثير، وفي صحوة من قبل الحكومات المحلية في الإمارات برزت رغبة كبيرة في الإبقاء على بعضها، ومن هنا انطلقت عمليات الترميم من جديد.
وتم جلب صخور المرجان من جديد لإعادة الترميم.. فمنطقة الشندغة في دبي شهدت ترميم بيوت عديدة ومنها بيت الشيخ سعيد آل مكتوم وبيوت عديدة مجاورة له وتحولت هذه البيوت إلى متاحف وقرى تراثية، وكذلك في منطقة البستكية، وفي الشارقة حي الشويهين، أو الشارقة القديمة، حيث لا تزال هذه البيوت صروحا تثير السياح كما انها تجلب أبناء البلد لزيارتها، يستعيدون من خلالها صور الذاكرة وملامح الأجداد الذين عاشوا فيها.
حيث رائحة الطين الطبيعي ورائحة صخور المرجان التي تنز من بين مسامات الجدران.. تتمعن في الجدار المفتوح الذي يكشف عن تلك الصخور المرجانية فتدرك أن هذه الصخور كانت مسكن ذلك الكائن المائي، ترى خطوطه وندوبه وأسلوبه في تكوين الكلس، كان درعا واقيا من وحوش البحر وصار اليوم درعا للإنسان.
علاقة تبادلية فريدة من نوعها، حينما كان الإنسان يعتمد اعتمادا كبيرا على الطبيعية في تأسيس استقراره وراحته، لا شيء مصنوع في بيوت المرجان، فالأخشاب ستكون من شجر ينمو في إفريقيا هو الأقرب إلى «الخيزران»، أغصان أشجار وجذوع تسمى «الجندل»، وحبال و«حصر» مفردها «حصيرة» تفرش فوق السقف، أما الأبواب والشبابيك فستكون من خشب «الساج» الذي عادة ما يجلب من الهند عبر سفن تسافر لمسافات طويلة..
مخاطر تهدد مستعمرات المرجان
في آخر صرخة أطلقت لعلماء البيئة جاء أن تصاعد مستوى ثاني أكسيد الكربون في الجو يجعل محيطات العالم أكثر حامضية ويحذرون من أن هذا الاتجاه يمكن أن يبيد في نهاية القرن الشعاب المرجانية والكائنات التي تشكل شبكة الأغذية البحرية.
وعلى الرغم من أن العلماء وبعض السياسيين قد بدأوا أخيراً التركيز على مشكلة حامضية المحيط، فانهم يصفونها باعتبارها واحدة من اشد المخاطر البيئية التي تواجه الأرض ولفترة عقود من الزمن ظل العلماء يصورون امتصاص المحيطات لثاني أكسيد الكربون كإضافة بيئية، لأنه يخفف آثار التسخين الحراري. ولكن بأخذ ثلث واحد من ثاني أكسيد الكاربون.
والكثير منه ناجم عن عوادم السيارات ومشاريع الطاقة الكهربائية والمصادر الصناعية الأخرى، فإن المحيطات تحول مستوى الحامضية والقاعدية. ومستوى الحامضية والقاعدية، الذي يقاس في وحدات، هو حساب توازن حامضية السائل وقاعديته. وكلما كان عدد الوحدات أقل كانت الحامضية أعلى، وكلما كان عدد الوحدات أكثر كانت القاعدية أعلى.
وكان مستوى الحامضية والقاعدية في محيطات العالم مستقرا بين 1000 و1800، ولكنه انخفض بعشر الوحدة منذ الثورة الصناعية، وهو ما يمكن أن يلحق أضرارا جدية بالكائنات البحرية التي تحتاج إلى كاربونات الكالسيوم لبناء قواقعها وهياكلها العظمية. وما أن يجري امتصاص ثاني أكسيد الكربون في مياه البحر، فإنه يشكل حامض الكاربونيك ويقلل من حامضية وقاعدية المحيط، جاعلا من الصعب على المرجان والكائنات الصغيرة المعلقة أو الطافية والقواقع البحرية الصغيرة أن تشكل أجزاء جسمها.
المرجان أشهر الأحجار الكريمة
تذكر الويكابيديا المرجان باعتباره أحد أشهر الأحجار الكريمة والمرجان لفظ معرب عن اليونانية وأصله (Maginto) وفي اللغة اللاتينية (Margarita)، وقد أطلق اسم المرجان فيما بعد على العروق الحمراء التي تطلع من البحر ويتخذ منها الحلي والأعلاق والسبحات. والمرجان هو أحد المواد العضوية الأكثر قدماً في الاستعمال في صناعة الحلي، حيث ظل المرجان عشرين قرناً يصنف مع الأحجار الكريمة الثمينة، ولكنه فقد بعض شعبيته لمدة معينة، ثم بدأ يستعيد مكانته وشعبيته في السنوات الأخيرة.
والمرجان يتركب من مادة كربونات الكالسيوم. والمادة المرجانية الحمراء هي الهيكل الصلب لمستعمرة المرجان، وهي التي تعطينا شكلها المألوف، وتتركب هذه المادة من شويكات دقيقة حمراء اللون يفرزها حيوان المرجان، وبعد إفرازه هذه الشويكات تتماسك مع بعضها البعض، وتخرج هذه الأفراد التي تستخدم كل منها في صناعة الحلي.
وقد عرفه العالم العربي الجواهري «التيفاشي»، المعروف أكثر ب أحمد التيفاشي (1184-1253)، عالم معادن وقانون واجتماع وفلك وشاعر عربي. ولد في قرية تيفاش الواقعة قرب مدينة قفصة التونسية أيام الدولة الموحدية، وقد عرف المرجان بقوله: «المرجان متوسط بين عالمي النبات والجماد، وذلك أنه يشبه الجماد بتحجره، ويشبه النبات بكونه أشجارا نابتة في عقر البحر ذوات عروق وأغصان خضر متشعبة قائمة».
مرعي الحليان


