كثير منا يتألم.. ولكن هناك من لا يعرفون معنى «اللا ألم»، ولكن كيف؟ عندما يمتزج ألم جبار بالنسيج الجسدي والنفسي للإنسان.. وهم كثيرون بحق..

صرخة «الآه» عندما حللها الطبيب الألماني المعروف دكتور «روبير شميت» رئيس قسم جراحة العظام بجامعة بون، وجد أن هذه الصرخة تعبر عن ألم عميق جداً، وهي تقال بكل اللغات، ولكن بتحريف بسيط جداً مثل «أوه»، «آه» «يوه»، ولاحظ أن الهاء المشتركة في نهاية الكلمات بمثابة صوت عميق تتذبذب له منطقة الحلق، فيخف الألم بنسبة ضئيلة، وكأن حِمْل يخرج مع الكلمة، ووافقه في هذا التحليل الدكتور النفسي السويدي «ريتشارد براي».وهنا تعليق بسيط أن بالجسم الإنساني سيمفونية صوتية تخفف الألم، وأيضاً عضوية مثل أن يتمسك المريض بشخص قريب منه ويضغط بقوة على يديه، فيخف الألم بنسبة لا تقل عن 15%، وهذا ما نلاحظه جلياً وقت عملية الولادة وخلع الأسنان بالتحديد.

«الإيندورفن» مسكن طبيعي خلقه الله سبحانه وتعالى تحت طبقات الجلد لتسكين الألم بنسب عالية، وطريقة تفعيل هذا المسكن الطبيعي تزداد مع قوة الألم حتى يصل لمرحلة معينة ثم يهدأ نسبياً، وتناول المسكنات المضادة للألم باستمرار يقلل مع الوقت فاعلية وتفعيل «الإيندورفن»».ولأن الألم هو ضعف إنساني كبير، فقد كان وما زال موضع بحث مستمر من قبل العلماء، وفي الغرب وخاصة في ألمانيا وفرنسا توجد أقسام بكاملها في كليات الطب متخصصة فقط في كيفية التعامل مع الألم نفسياً وعصبياً وأيضاً عضوياً، وهناك جلسات علاج ومنها اليوجا لتخفيف الآلام، بالإضافة للعديد من التكنيكات الطبية الحديثة جداً التي تعتمد على تقوية إرادة الإنسان في مواجهة الآلام الجسدية بصفة خاصة والنفسية بصفة عامة.

وماذا عن الفلاسفة؟ فأوضحوا بأن للألم فلسفة وثقافة خاصة جداً، فإذا كان المتألم شديد التعلق بالحياة وأيضاً عميقا في تدينه وثقته بالله، خفّ عنه الألم أو حتى زال نسبياً؟ ومن هنا جاء في الفكر الفلسفي الإسلامي والغربي إن الألم شعور إيجابي يرفع الإنسان درجات إلى نعيم الجنة ويزكي نفسه ويطهرها، وجاء ذلك في القرآن الكريم بأن النفس الزكية عندما يحملها الملائكة للسموات المتطابقة يستقبلها بقية الملائكة بكلمة كما وردت في القرآن الكريم «روح وريحان وجنة نعيم» فالنفس الزكية رائحتها تفوح ريحاناً وتشق طريقها للجنة.والفكر الغربي الفلسفي الذي أوضحه الفيلسوف الألماني «أرتور شونبهاور» 1788- 1860 يقول «لولا الشعور بالألم في لحظات في حياة الإنسان، أو خلال رحلته الحقيقية كلها، ما كان له أن يشعر بالإيجابيات الكبرى التي أنعم الله عليه بها وهي الصحة والشباب والحرية.. وهي قيم في حد ذاتها يمكن توجيهها في محاربة الألم وخاصة قيمة الشباب.

ولأن المنحوتة البشرية التي خلقها الله سبحانه وتعالى ـ وهي جسم الإنسان ـ متماسكة ومتزنة وتنطق عن الإعجاز في الخلق ـ لأنها كذلك، فإن كل عضو سليم بالجسم يعمل بإعجاز على تخفيف ألم العضو أو المكان المصاب، فجهاز المناعة على سبيل المثال يعمل بعشرات المرات من كفاءته لصد الأمراض والتئام الجروح وإيقاف النزف، وهو الجهاز ذاته المعروف علمياً باسم خط الدفاع الأول بعد مسطحات الجلد التي تغطي البدن كله والتي توقيه بدورها من تسرب الأمراض عن طريق اختراق مسام الجلد في الطبقة الأولى منه.

وهناك ما يعرف بالألم الإيجابي، ولكن كيف يكون التأقلم إيجابياً؟

الأبحاث من جامعة «هارفارد» في العام 1980 توضح بأن انشغال الإنسان بألمه الشديد، يقلل من ألمه النفسي في حالة الكرب والشدة أثناء فقدان إنسان عزيز، فالألم هنا يُرشح (بفلتر) الانكسار النفسي الذي لا يلتئم سريعاً مثل الألم العضوي، فالألم في حد ذاته يمتص سلبيات الألم النفسي التي هي أشد وأكثر ضراوة من الشعور بالألم العضوي.

ونسبة 80% من المصابين بالآلام المختلفة عضوية كانت أو نفسية، هم هؤلاء الذين يطلق عليهم مسمى الرومانسيين والأكثر حساسية بمن حولهم من شخوص، وتفسير ذلك بأن الألم ينكسر معه الجبروت الإنساني، ويخمد النزوات المادية، فتمني الصحة ولحظة يغيب فيها الألم هي كل الدنيا وكل الأمل بالنسبة لهؤلاء.

وهل يؤثر الألم سلباً على ملامح الإنسان؟

حقيقة، فإن الضغط العصبي الذي يتكبده الإنسان في أزمة شعوره بالألم، خاصة وإن كان بمفرده، تؤثر على ملامح الوجه بصفة خاصة، فنجد حدوث صفرة وأضحة في العيون وتغيير لون بشرة الوجه إلى الشحوب أو الاحمرار الزائد حسب نوعية ومدة الألم، ويظل الفم منفرجاً نصف انفراجة مع تلاحق في النفس، أو الجزّ على الأسنان، وهناك آلام حادة عضوية ونفسية أيضاً تكون مصحوبة برجفة في الأطراف اوالترنح..

وللفنون المختلفة حضورها القوي العاكس لظاهرة الألم مثل العديد من منحوتات الفنان النحات المصري محمود مختار، والذي يرمز للألم في فنه باللون الداكن والخطوط المنحوتة بعمق خاصة قسمات الوجه، وكان يعرف في الوسط الفني بأنه الأكثر توضيحاً لخبايا النفس البشرية في منحوتاته، فهو المثال الأكثر عمقاً وواقعية.

أما الفنان الشامل صلاح جاهين، الذي شعر بجروح الإنسانية جمعاء واختزنها في أعماقه ونطق بها ألماً وزجلاً ورسماً وسخرية، يقول في رباعياته المشهورة معتبراً من أن الحزن ألم نفسي ولحظة ضعف إنسان يقول:

حاسب من الأحزان وحاسب لها

حاسب لرقابيك من حبلها

راح تنتهي ولا بد راح تنتهي

مش انتهت أحزان من قبلها؟

وعجبي!

أما مشاهد الألم في السينما العربية، جسدتها الفنانة الكبيرة أمينة رزق عندما تصاب فجأة بنوبة قلبية، ويردد الطبيب المقولة المعروفة في مثل هذه الأفلام «عملنا اللي علينا.. والباقي على ربنا».

ويعتبر مسلسل «العندليب».. حكاية شعب، أكبر دليل على أن المرض والألم يخرجان من تحت معاناتهما نجاحا بهر الجميع وإصرارا على الاستمرار والاستمتاع بدوائر الضوء، والعديد من أغاني حليم تعكس لحظات ألم قبل «في يوم في شهر في سنة».

أما الأغنية التي توفي بعدها مباشرة وهي «قارئة الفنجان» من تأليف الشاعر الراحل نزار قباني، فكانت تجسّد الألم النفسي والضعف العاطفي.

وماذا عن السينما العالمية؟

لحظات تشخيص الألم فيها كثيرة وغاية في الإتقان، جسد ذلك الفيلم العالمي «إنجليش بيشن» english patient، من بطولة رالف فيجاس، «جوليان بنيوسن»، ومن إخراج «طوني مانجلا»، والفيلم حائز على ثماني «كارمن ريورد» بالإضافة لأربع جوائز أوسكار.

وترجع أهمية الفيلم إلى تجسيد الصراع بين الألم والحياة. أما علماء السلوكيات وأيضاً المتخصصون في علم التنمية البشرية يؤكدون على أن تشتيت الألم في لحظات يمكن الوصول إليه عن طريق الإنصات الموسيقي أو حادية هادئة مثل صوت الماء وخاصة البحار، أو صوت الطيور، وجميعها متوافرة في أجهزة صغيرة تبث هذه الموسيقى فقط، أو الإمعان والتدقيق في لوحات تعكس الطبيعة أو التنزه على أماكن البحيرات والأشجار، أيضاً تركيز الدماغ في تشتيت الأم خاصة أمام نافذة عريضة يتسلل منها ضوء ساطع يخفف كثيرا من حدة الألم، فالضوء مع التركيز الحاد عبارة عن صدمة لها خصائص تخفيف الشعور بالوجع من الدرجة المتوسطة، هذه النتائج جميعها تمت في جامعات بون وهارفارد وميونخ.

وهناك كتب تعرضت بأكملها لمناقشة ظاهرة الألم من أهمها كتاب «الراحة والألم» للدكتور الجراح البريطاني جون هيلتون أصدره في العام 1863، ومازال يدرس في الجامعات العالمية، ويرتكز على نظرية الراحة على سرير مريح أو مسطح مائي هادئ، فيخفف ذلك من التوترات الناجمة عن الألم، ويؤكد كذلك على أن الإرادة تزيل الألم تماماً.

وللفن التشكيلي الدور البارز في تصوير لحظات الألم والصرخة المصاحبة له، وما يحدث من تغييرات في ملامح الوجه، كالهلع والخوف.

من أشهر هذه اللوحات على الإطلاق لوحة الرسام النرويجي «إدوارد مونسن» المعروفة باسم «الصرخة»، وهي لوحة زيتية أنجزها في العام 1893، وتصل قيمتها إلى 80 مليون دولار.

وهي موجودة حتى الآن في متحف «مونسن»، ويوضح «يورون كريستوفر سن» الناطق باسم المتحف إنها تجسد مشاعر الخوف والرعب والألم.

إذا كان الألم ضعفا إنسانيا، فإنه أيضاً يصقل الإنسان ويرفع من عناصر المادة ويحلق به في آفاق رحبة تزيد من إنسانيته وتزيد من شعوره المرهف، والألم في التشريع الإسلامي، يضع الإنسان في منزلة عالية ويغفر له ذنوبه ويثقل من موازينه ويكون من أهل الجنة... فهل نأمل في لحظة ألم...؟!

رباعيات الألم

تعبير صلاح جاهين «عم صلاح» يعتبر من الفنانين الذين حملوا آلامهم وآلام غيرهم وسار بها، فهو رمز يجسد الألم الإيجابي الذي يصحح به العديد من الأوضاع في النفس والوطن والناس.تعكس أبيات عديدة من رباعياته الشعور بالألم النفسي الجماعي لهذا الفنان الرائع المرهف الحس، يقظ الوجدان.

منى مدكور