عقب سنوات طويلة من البحث المضني، أصبح بإمكان الأكاديمية الاسبانية دوليرس أوليفر التأكيد أن القصيدة الملحمية «أنشودة الميو ثيد» كتبها رجل القانون العربي أبو الوليد الوقاشي في سياق العمل الدعائي السياسي.

وتعتبر «أنشودة الميو ثيد» أول عمل مسهب يكتب بلغة رومانسية في تاريخ الأدب الاسباني على الإطلاق، وتروي مآثر القائد القشتالي الشهير أثناء العملية العسكرية الأولى التي استطاع الملوك الأسبان من خلالها إعادة احتلال أجزاء من اسبانيا، وبالتالي فإن تلك الأنشودة ليست اسبانية أو مغفلة التوقيع مثلما ساد الاعتقاد دوما، بل إن كاتبها شاعر عربي معروف وفقا لما توصلت إليه أبحاث الأكاديمية الاسبانية. هناك إجماع بين الأوساط الثقافية الاسبانية حول اعتبار هذه القصيدة الملحمية العملاقة تفوق من حيث أهميتها الأدبية رواية «جون كيخوته» نفسها، وهي تروي قصة تجمع بين الشخصية التاريخية للفارس ثيد ومعادلها الأدبي في مشهد يتأرجح بين ألغاز الأسطورة وحقائق الواقع، التي تفيد بأن ثيد قاتل لصالح ملوك مسلمين مثلما قاتل على رأس جيوش الملك الاسباني ألفونسو السادس، فضلا عن أن ثيد عشق فالينسا، التي كان يحكمها حاكم مسلم يدعى القدير، الذي استدعى المرابطون كي يساعدوه على استعادة طليطلة من الأسبان.

في حين تؤكد كتب التاريخ أن ثيد كان امرا مسيحياً ومسلماً في آن وأراد أن يكون أمير فالينسا مع الإبقاء على القوانين والعادات التي كانت سائدة هناك قبل وصوله إلى المدينة التاريخية. وفي الميثولوجيا الشعبية الاسبانية يقال إن ثيد خاض معركة حتى بعد أن وافته المنية عام 1099، لكنه خسرها بينما كانت زوجته تحكم فالينسا، التي استعادت هويتها الإسلامية عدة مرات.

وتؤكد أستاذة الدراسات العربية والإسلامية دولوريس أوليفر في كتابها «أنشودة الميو ثيد: أصل وتأليف عربيين»، الذي وقعته، مؤخرا، في البيت العربي في مدريد، أن الشاعر ورجل القانون أبو الوليد الوقاشي هو الذي نظم القصيدة الملحمية الشهيرة في سياق حملة بروباغاندا سياسية الهدف منها نشر روح التسامح بين العرب والأسبان.

كان هناك ميثاق بينهما ينص على قيام الشاعر بنظم القصيدة بغية تخليد اسم السيد مقابل قيام الأخير بالتعهد باحترام المعتقدات الإسلامية في مدينة فالنسيا، التي كان قد تم غزوها واستعادتها من العرب للتو على يد رودريغو دياز فيفار، الذي تمت تسميته سيد هذه المدينة التاريخية العريقة.

الوقاشي، الذي يصفه مؤرخون مسيحيون ومسلمون بأنه «أحد أذكى المفكرين والحكماء في زمنه»، قام في كنف بلاط فالنسيا بتأليف هذا العمل الشعري الضخم، الذي راحت تتناقله الألسن منذ عام 1095 وذلك بعد أن تمكن ثيد من دخول المدينة، التي كانت تحت السيطرة العربية منذ القرن الثامن، حسب هذه الفرضية.

بدأت أوليفر دراسة موضوع التحقق من مؤلف القصيدة مغفلة التوقيع عن طريق الصدفة البحتة بعد أن وجهت إليها عام 1984 دعوة للمشاركة في ندوة بحثية، وهي تقول في هذا الصدد: «بدأت أقرأ الأنشودة من جديد رغم أني كنت قد قرأتها عندما كنت طالبة وكلما كنت أتقدم في القراءة رحت أقول لنفسي إن هذا القصيد لا ينتجه إلا عقل عربي»، وذلك على الرغم من أن هذه الأكاديمية البارزة تقر بأنها لم تكن تؤمن لا هي ولا غيرها بالمبدأ الذي تقوم عليه هذه النظرية وبأنها ظلت طوال عامين من دون أن تقرب الموضوع لأنها كانت تخشى الدنو منه على حد تعبيرها.

لكن فرضية المؤلف العربي كانت تعود بين الحين ولآخر لتفرض نفسها، بصورة متكررة، على عملها البحثي إلى أن وقعت الأكاديمية في شباك تحدي إثبات صحة تلك الفرضية وهي على قناعة بأن الرد الوحيد على كافة مضامين الأنشودة يتجسد في شاعر عربي كان في خدمة حاكم قشتالي».

وتؤكد البروفيسور على أن الوقاشي تمكن بصفته شاعرا بالفطرة والنشأة من «وصف المعارك بطريقة ساحرة على غرار المعارك التي يحتوي عليها النشيد، فضلا عن ملامسة مواضع الشعر البدوي». ومن بين الحجج التي تعزز نظريتها تبرز مسألة المناخ الديني الموصوف في القصيدة.

«إن قصيدة المسيحيون فيها ليسوا الأخيار والمسلمون فيها ليسوا الأشرار لا بد وأن تكون مكتوبة أثناء فترة التسامح، أي أثناء الفترة التي حكم فيها ثييد»، على حد تعبير أوليفر، التي تشدد على أنه إثر موت» المغير «عام 1099» راح يظهر ذلك الشعور بالملامة» حيال المسلمين.

ولذلك فإن أوليفر ترى أن وجود الشعراء في البلاط والذين تغنوا بمآثر الأسياد ما هو إلى عادة خاصة بمنطقة الأندلس، التي كان يسيطر عليها العرب في القرون الوسطى، حيث كان لدى جميع أصحاب السيادة «شاعر ينشد مآثرهم وأمجادهم» دوما.

أوليفر تتساءل: «أما كان ثيد، الذي كان في بلاط اشبيلية وفي سرقسطة، ليكون غبيا جدا حتى يسمح لنفسه بألا يستغل ذلك السلاح السياسي المؤثر؟».

وهناك استدلال ثالث يثبت صحة الفرضية التي ذهبت إليها الأكاديمية الاسبانية ويتمثل في فنون الحرب الموصوفة في القصيدة، حيث تظهر تقنية بمضامين فروسية في القتال تلك التقنية ما كان يمارسها بنجاح سوى المرابطين أنفسهم والمشار إليها في الأنشودة بوصفها حالة اندفاع أو وثبة إلى الأمام وهذه الوصف من وجهة نظر أوليفر لا يعكس شيئا آخر غير «الحركة» باللغة العربية.

وتعبر أوليفر مازحة عن استهجانها من عدم الترحيب بهذه النظرية – التي كانت مقبولة للغاية من قبل الناس الذين عاشوا في العصور الوسطى أو أناس لم يمضوا حياتهم وهم يدرسون أسطورة ثيد ــ بين الأوساط الثقافية في اسبانيا، رغم أنها تقر في الوقت نفسه بأن مشوار الإيمان بتلك النظرية كان طويلا وكلفها سنين طويلة من العمل والبحث المضنيين.

كما تؤكد نظرية الأكاديمية الاسبانية أن الأنشودة لا يمكن أن تكون قد خطت لا في عام 1207، الذي يعتبر التاريخ الرسمي لنظمها أو انتشارها على أقل تقدير، ولا في عام 1140 كما حدد الفقيه اللغوي الاسباني رامون مينيديز بيدال.

تتكون القصيدة من 3 آلاف و735 بيتا من الشعر مكتوبة باللغة القشتالية التي كانت سائدة في العصور الوسطى وهناك تخمينات تشير إلى أن تاريخ كتابتها يعود إلى القرن الثاني عشر على وجه التقريب.

ولا يزال عنوانها الأصلي مجهولا حتى هذه اللحظة، على الرغم من أن التوقعات تميل إلى تسميتها بالأنشودة أو النشيد أو القصيدة الملحمية وهي مصلحات يصف بها المؤلف عمله في بيتين من الشعر يحملان الرقم ألف و85 والرقم ألفين و276 على التوالي.

أنشودة الميو ثيد هي الوحيدة المحفوظة بالكامل من جنسها الأدبي في الأدب الاسباني وهي تبلغ ذروة قيمتها الأدبية من خلال براعة الأسلوب الذي كتبت به، ذلك الأسلوب الرفيع الذي جعلها تتصدر تاريخ الرواية الاسبانية، إذ أن هذه الملحمة الشعرية تعتبر أول عمل أدبي كتب في اسبانيا على الإطلاق. والنسخة الوحيدة منها تعرض في يومنا هذا في موقع بارز من المكتبة الوطنية في مدريد.

مقتطف من «أنشودة السيد»

هوجم ثيد، الذي كان في خدمة الملك ألفونسو السادس، على يد الكونت غارسيا أوردونيوس (وهو صديق كبير للملك. ثيد لم يكن بوسعه البقاء من دون الثأر للهجوم وانتصر على الكونت ومرغ كرامته بالأرض ونتف لحيته. غضب الملك عندما علم بالأمر ونفى ثيد. وهنا تبدأ قصيدة «الميو ثيد».

كان ثيد سعيدا جدا بكسب الحرب، لكن رسالة وصلته، على حين غرة، تقول إن الملك أصدر قرارا بنفيه عن المملكة وأنه يمهله سبعة أيام كي يرحل عن المملكة، وما كان من السيد إلا أن أعطى حرية الاختيار لأتباعه تاركا لهم أمر الرحيل معه أو البقاء حيث هم، لكن هؤلاء يختارون الرحيل معه، بيد أن أحدا في بورغوس لم يجرؤ على استفاضتهم، ذلك أن الملك كان قد قال إن من يستضيفهم سوف ينال جزاءه بعد أن حظر استضافة أولئك المنفيين. وهكذا واصل ثيد وأتباعه طريقهم.

وصل مارتن أنتولينيز ليزود ثيد بالمئونة والبضائع، لكن بما أن ثيد كان مفلسا فلقد قرر اللجوء إلى الحيلة وصنع عدد من الصناديق وحشوها بالرمل ومن ثم بيعها لراكيل وفيداس (من اليهود) ،عقد صفقة معهما وباعهما الصناديق مقابل 600 مارك.

يغادر ثيد باتجاه غرناطة، بينما عاد مارتن أنتولينيز إلى بيته.السيد يودع زوجته وبناته ويترك مع دون سانشو، رئيس الدير، نحو 150 مارك كي يعتني بعائلته ويقول له إنه سيعطيه أربعة ماركات إضافية مقابل كل مارك ينفقه عليها. يودعهم ويغادر برفقة نحو 100 من فرسان قشتالة.

يسيرون طوال الليل حتى يصلون إلى كاستيخون، التي يغزوها ثيد مستخدما عنصر المفاجأة من جديد.ثيد ورجاله يتابعون سيرهم ويتوغلون في مملكة طليطلة، التي تدفع الجزية للملك ألفونسو، لكنهم لا يتوقفون هناك لأن ثيد لم يعد يرغب بمنازلة الملك ألفونسو ويغادر على الفور. ثيد يخيم في محيط القصر ويواجه الموريسكيين الذين كان تعدادهم يفوق تعداد من معه من رجال بكثير. يهزمهم ويحصل على غنيمة كبيرة، يرأف لحال الموريسكيين وعوضا عن قتلهم يسخرهم لخدمته.

بعد مرور بعض الوقت، يرحل ثيد عن تلك المنطقة ويبيع قلعة القصر للموريسكيين (ملاكه القدماء). يدخل مملكة ملك برشلونة، ما أثار غضب الأخير، ثيد يحاول تهدئته، لكن الملك يهاجمه وينتصر ثيد ويسجن الملك، الذي يريد الموت جوعا، ثيد لا يسمح له بذلك ويسمح له بالمغادرة مقابل أن يأكل شيئا من الزاد.

باسل أبو حمدة