بعد مضي خمس سنوات على صدور رواية «ستارة الفم»، يعود الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو إلى عالم الأدب بعمل روائي جديد تحت عنوان «منفى من هنا وهناك» بغية إحياء «مسخ سينتيير»، الشخصية المحورية التي ماتت في اعتداء ارتكبته منظمة «المخنثون الحمر» في رواية «مشاهد ما بعد المعركة».
وبذلك يعود الكائن الأخرق الشهواني، بعد مرور 25 عاما، لمعرفة لماذا قتلوه بقنبلة غبية كان يحملها بين ثنايا معطفه المطري. لكن قارئ غويتيسولو يجب ألا يستغرب ظهور تلك الشخصية من جديد. عندما انفجرت الشحنة المتفجرة في «مشاهد ما بعد الحرب»، ظهر في الفصل الذي يحمل عنوان «مدينة الأموات» ذلك المسخ «مفتتا مقطعا إربا»، وموزعا في كافة الأرجاء وهائما على وجهه في الشوارع وميالا إلى الضحك، إذ يقول: «الضحك، اضحك عليهم، الكتابة أكتبني، أنت أنا نصي الكتاب، أنا هو الكاتب، أنا ما هو مكتوب». تلك الشخصية الغريبة، التي كانت تحمل شهادة وفاتها في جيب المعطف المطري وتضع نظارات شمسية تستكمل بها منظرها القبيح المتحذلق، تعود إلى«مقهى للمعلوماتية» ـ سيبيرنيتيك ـ ليخترق صاحبها ما يطلق عليه «محور الشر» وللوقوف، من الداخل، على الدافع الديني لقتلته وعلى هوية ذلك الإرهابي الذي فعل العبوة الناسفة التي زرعت في معطفه المطري وقضت عليه وأخرجته من الوجود.
الانطباع الأول الذي سيحمله المسخ عند عودته إلى سينتيير هو ذات الانطباع الذي يكونه أي شخص كان قد قرأ «مشاهد ما بعد المعركة» ووصل إلى الاستنتاج الذي يقول إن تكهناته قد تحققت بدقة متناهية تبعث على القشعريرة. الأحياء والضواحي الباريسية الخلاسية احترقت والإرهاب تخطى كل التوقعات والعالم تحول إلى جوقة كونية متعددة النغمات والأصوات لا تنقطع مدموغة بالباطنية والذاتية.
بعيدا عن تهنئة نفسه بالتوفيق والنجاح، يشعر المسخ بالضياع أكثر من أي وقت مضى دون أن يرسو على بر بشأن شبه الحياة التي يحيا. يقرر بأن الطريقة المناسبة لفهم الوضع المعاصر تكمن في الاتصال عبر الانترنت بالجماعات الإرهابية المعادية للنظام.
وبهذه الطريقة ينتهي به الأمر مجندا على يد أليسا، إمام متطرف بغطاء أمني صلب يتمثل في نجمة متخصصة في مطبوعات وصور الدعارة، والأسقف الذي لديه شبكة عالمية من ملاجئ الأيتام التي يشبع فيها شهوانيته تجاه الأطفال. معا يدبران الاعتداءات في الوقت الذي يتظاهران فيه كونهما يشكلان جماعة تتبنى مبدأ التسامح وتكرس نفسها للحوار بين الأديان والسلام بين الحضارات.
لن ندخل في هذه العجالة في اعتبارات ما هو مناسب وغير مناسب في محاولة هجاء أو مديح خوان غويتيسولو، فكل من يعرفه يعلم أن تلك التقييمات حادة أكثر من اللازم. وجل ما يفعله المؤلف هو الالتزام بالتدمير وهو أمر ضروري لإلقاء الضوء على ما يعتنق المؤلف من مبادئ، مع التأكيد على ان غويتيسولو لا يقدم حلولا على الإطلاق أو على الأقل في عالم الرواية. عمله يقوم على الهجوم وتوجيه الاتهام وحتى الشتيمة عندما يتطلب الأمر ذلك، في حين يلجأ إلى مزج الخيال بالواقع عندما يمكن المسخ ،على سبيل المثال، من التعبير عن نفسه حيا داخل عالمه الروائي المتخيل.
ولأن المسخ الذي يعود من الموت هو ظل نفسه، فإنه يبحر عبر الانترنت بلا وجهة وبلا اتجاه والأسوأ من ذلك محاصرا من كل الاتجاهات. الآسياد يتعرفون عليه ويشيرون إليه بوصفه ذلك «الرجل الذي كتب تلك القذارات».
المسخ يتجند في «محور الشر» على أمل أن تعتمد الولايات المتحدة ضد ذلك الإرهاب مبدأ «قنبلة المثلية»، استنتاج بوسعه أن يطلق العنان، حسب «البنتاغون»، لبعض الأحاسيس التي قد تجعل الجنود الأعداء يشعرون بشهوة ملحة حيال بعضهم بعضا.على هذا النحو يمضي المسخ الساعات، مستبقا،وهو خائر القوى، اللحظة التي ينفجر فيها ذلك الجهاز بين رفاقه أصحاب الشوارب، لكن «القنبلة جي» لا تصل ولا تنفجر قط، فيموت مرة أخرى من الغيظ والعار.
هذا النوع من الفصول يتكرر كثيرا على صفحات «منفي من هنا وهناك» ما يعكس رؤية مفسخة للواقع في أكثر عناصره غرابة وخشونة، رؤية يبرزها غويتيسولو بأسلوب ساخر لم يفقد رونقه مع مرور الوقت، حيث يحاول أن يقدم لنا كنموذج ديمقراطي معاصر حالة هجينة أو مولودا خلاسيا يتأرجح بين بوتين وبيرلوسكوني أو حاكما مستبدأ منافق ومكار من جهة وسافل ودنيء من الجهة الأخرى. وكلاهما يعقدان صفقات ناجحة مع المعادين للنظام المفترضين الذين يحاربونهم.
ولا يرى غويتيسولو فرقا بين الأديان عندما يتعلق الأمر بموعظة الحرب أو السلم، فجميع القيمين عليها وسطاء للسلطة، كما أنه لا يرى فرقا كذلك بين أن تكون أعمال العنف مناصرة أم معادية للنظام فالأمر سيان، ذلك أن الجهتين تتغذيان على بعضهما. في الواقع الهذياني الذي يخلقه المؤلف تتحد الحكومات والإرهابيون للتخطيط لاعتداءات وضمان غطاء مثالي لها. لكنهم لا يبحثون عن نظريات المؤامرة، التي تشكل بدورها جزءا من المهزلة الدائرة في أرجاء المعمورة.
الرجل يعيش تحت عين العامة، في بيئة وصمات العار فيها مكشوفة أمام أعين المتلصصين والمتجسسين، ومسجلة وموزعة في بث حي على الانترنت. يرتاب الواحد منا بالآخر، نتهم نستنكر وندين، لكن لا شك بأن أحدا ما تمكن من الاستفادة من حالة الفصام، ذلك أننا نستشعر إبهام الرجل على العمود الفقري. المسخ يفهم أنه لا يستطيع التطلع إلى تفهم أكبر من جانب القارئ، فبمجرد أن تتكشف حقيقته وتنتصب عارية خسة العالم، سرعان ما يتخلى عن مصيره المتلاشي كميت.
خاتمة غريبة يقدمها لنا خوان غويتيسولو بعد 25 عاما. ذلك أنها تعكس تلك الملاحظة الاختيارية التي طرحها عمله المثير للجدل «ستارة الفم» والذي ليس لدى المؤلف أي جديد ليقوله بهذا الشأن، لأن «منفي من هنا وهناك» تنطوي على الرؤية ذاتها لما آل إليه العالم ،ولكن الكاتب الاسباني لا يدعي حلولا ولا أجوبة نهائية بقدر ما يطرح المزيد من الأسئلة المفتوحة.
الكتاب: منفى من هنا و هناك
المؤلف: خوان غويتيسولو
الناشر: غالاكسيا غوتيمبيرغ 2008
الصفحات 158 صفحة
القطع: المتوسط
El exiliado de aqu'y alla
Juan Goytisolo
8002 grebmetuG aixalaG
158.P

