على غرار الدول العملاقة بسكانها ولكن الفقيرة بمواردها سعت الصين إلى إنشاء منظومة اقتصادية لإطعام مليارها، وان كانت قد نجحت في ذلك فالفضل يعود إلى ثقافة الاكتفاء وليس الأنانية، حيث يكتفي الصيني بحفنة أرز في طبقه وكوب شاي لمتابعة عمله الدؤوب، محولاً بلده العملاق إلى معجزة ينظر العالم إليها في ذهول.

في الصين يلمح المرء تفاصيل مصادقة الحياة، ومن طبيعة اهتمام الصيني بنظافة بلاده يمكن للمرء ان يعرف ان هذا البلد يولي عناية خاصة لثقافة الجماعة ويتدرب الأفراد للعيش في المجتمع كجزء مكمل وليس كجزء منفصل تتغلب أنانيته على الصالح العام، ذلك التدريب يبدأ من الصغر، من المدرسة، من المنزل، وينخرط فيه الجميع دون استثناء.

لم يولِ الانسان الصيني اهتماماً بالكماليات، وهو ما يفسر قلة أناقته، ولا تعبر الثياب سوى عن ستر الجسد بطريقة مريحة وهو ما يفسر أيضاً ثمنها البخس الذي يتوفر للجميع، انها حالة فهم صحيحة لماهية الإنسان ولرغباته المنضبطة في الاكتفاء الذاتي وعدم تجاوز ما هو أبعد من ذلك، وهو ما يفسر أيضا لماذا لا يفكر الصيني بطريقة استهلاكية تستنزف كل قدراته الاقتصادية.

لقد أعطت الثقافة التاريخية للفرد الصيني مساحة للتأمل في محيطه الطبيعي فعمل على الاستفادة منها بأوسع السبل، وهو ما سمي لاحقاً بالصناعات التحويلية كان نتيجة لذلك التحول، فقد أدت مصادقة الطبيعة إلى نتائج مذهلة حيث يصنع الصيني من كل نباتات الطبيعة جميع مستلزماته، ومع مرور الوقت تحولت تلك الصناعات البسيطة إلى فن فطري بات يمثل هوية ثقافية للصين.

قليلة هي الشعوب التي قامت بعملية تحويل اجتماعية سريعة ونجحت فيها، فقد طبقت الصين سياسة حرق المسافات وخلال عقود قليلة تحولت من بلد زراعي بسيط معظم سكانه من الفلاحين إلى شعب متطور مهنياً ينتج ملايين الحاجات التي يستخدمها الانسان وفقاً لخطة مبرمجة فيها الكثير من الخصوصية المحلية، وترتفع نسبة الخصوصية كلما أوغل المرء في تلك المدن التي تقع بين السهول البعيدة، لأنها متجذرة الهوية المحلية.

ما فعلته الصين الزراعية في أقل من نصف قرن هو مدعاة للدهشة والتقدير، وبعيداً عن برامجها السياسية عرفت الصين طريقاً سريعاً لغزو العالم لا أسلحة فيه سوى تقنية متطورة وشعب يعمل بجد كبير دون كلل أو ملل.. نعم لقد أستيقظ العملاق الأصفر النائم في آسيا.

hussain@albayan.ae