سألني حفيدي محمد، وهو يشاركني مكتبتي في المنزل، ان كنت قد قرأت كل هذه الكتب المرصوفة على الرفوف حتى السقف، وحاولت أن أرد عليه بدبلوماسية، أو حتى لا أتحدث أمامه بشيء من غرور غير متعمد قد يخرج عن طبيعتي.
ذهب ذهني بعيداً.. عن بداية حياتي، وأنا أبهر بالكتاب والكتّاب بعد أن تعلمت فك الحرف وتركيبه، وكانت الحياة الفكرية ثرية على الرغم من فقر وسائلها، كان عصراً للعمالقة، وتحتار لمن تقرأ ، طه حسين، نجيب محفوظ، شوقي، الجواهري، السياب، حافظ ، توفيق الحكيم، الرصافي، والقائمة تطول حتى لتعجز من تعدادهم.
كنت معجباً حتى العظم بتوفيق الحكيم، وحفظت فقرات كثيرة من يوميات نائب في الأرياف، أو مقاطع من مسرحياته مثل براكسا، بجماليون، أهل الكهف، يا طالع الشجرة التي كتبت عنها بحث الماجستير. ومن الصدف أن كلفني د. زكي الجابر أن أكتب عن يوميات نائب في الأرياف، في إطار التمرين، وحينما أنجزت الكتابة، شكك الدكتور في مصداقية كتابتي، ظنّ أني نقلتها حرفياً، واستغرب عندما وجد تقارب الأسلوبين بين الأثر والمؤثر، ونصحني بأن أخرج من خيمة توفيق الحكيم إلى خيمة خاصة أصنعها لنفسي.
كذلك الحال كان قد تكرر مع نجيب محفوظ، فقد كنت أحرص على إعادة كتابة الرواية بأكملها بعد أن أطالعها عدة مرات، وقد نجحت مع اللص والكلاب، والثلاثية، وغيرها من الروايات التي كنا ننتظر صدورها، ونكرر قراءتها، ونناقش بعمق أبعادها وتحليلاتها حتى كنت أحلم بأن أكتب كتاباً، عن المرأة في روايات محفوظ ولم أجد الفرصة حتى الآن.
طه حسين.. كان قامة، ورمزاً للثقافة، كان كل شاب منا يحلم أن يكون بقامته، لكن لا أعتقد أن أحداً نجح أن يكون بقامة طه حسين.
من الطريف أن جدتي لأمي كانت متعلمة، ومعجبة بأمير الشعراء أحمد شوقي، وهو أول شاعر تعرفت عليه من خلال حديث جدتي عنه، وكانت تقرأ لي بعضاً من قصائده، وكانت مولعة بمسرحياته خاصة مجنون ليلى، وعنترة، ومنها تعرفت على شوقي حتى قبل أن أعرف ما تعني الكلمة، ولكنني حينما تعلمت، كانت الأسس التي تعلمتها من جدتي عون لي على الولوج إلى عوالم كانت أكبر بكثير من مستوى عمري الزمني، حتى أني أذكر أنني أنجزت قراءة المنفلوطي وأنا في المرحلة الابتدائية، وكذلك الرصافي، وشوقي وانتقلت إلى أعلام الشعر الحديث، وهم في قمة ثورتهم الشعرية والجدل الذي كان يدور حول تجاربهم مثل السياب، وقباني، وحجازي، والملائكة، وعبد الصبور، غير أن الجواهري كان رمزاً سياسياً، وكنت أحتفظ بنسخة من جريدته التي صادرتها الحكومة بعد أن نشر فيها قصيدته المشهورة تنويمة الجياع :
نامي جياع الشعب نامي /حرستك آلهة الطعام/ نامي فإن لم تشبعي/ من يقظة فمن المنام.
