«مختبر للتاريخ ما بعد القومي « كتاب جماعي لعدد من الباحثين وإشراف جورجي كاسيانوف الأخصائي بتاريخ أوكرانيا. ويتركز البحث فيه على تاريخ أوكرانيا منذ 1991، أي منذ تفكك الاتحاد السوفييتي السابق واستقلال أوكرانيا حتى اليوم.

ولعل هذه هي المحاولة الأولى من نوعها في التعرّض لتاريخ أوكرانيا الحديث بعيدا عن «المقولات السائدة» فيما يخص أغلبية البلدان الاشتراكية «السابقة» التي كانت تنضوي تحت الراية السوفييتية. المساهمون في هذا الكتاب هم مجموعة من الباحثين المختصين بأوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة وألمانيا والنمسا وكندا... وهكذا جاءت دراساتهم «متكاملة» عبر تقديم التاريخ الأوكراني الحديث من «زوايا» متنوعة.

وكل فصل من فصول هذا الكتاب يلقي بعض الضوء حول موضوع البحث ويطرح عددا من الأسئلة الجوهرية. ويتم التأكيد عامة على أن تاريخ أوكرانيا «يتقاطع» إلى حد كبير مع تاريخ أغلبية بلدان أوروبا الشرقية من حيث أنه من جهة تاريخ «له جذوره القديمة»، ومن جهة أخرى هو «تاريخ عرف آلام ولادة دولة جديدة مستقلة» بعد الانفصال عن «الجسد السوفييتي». ويبدو تاريخ أوكرانيا، كما يتم تقديمه في هذا الكتاب، قبل كل شيء موضوعا لنقاشات حية بين وجهات نظر مختلفة.

بتعبير آخر لا يتم تقديم هذا التاريخ ك«رواية ستتبع خطا مستقيما» حسب الأطروحات الاثنية المتنوعة للأوكرانيين، ولكن بالأحرى يتم تقديمه كتاريخ «متعدد الثقافات» و«متعدد الأبعاد» على قاعدة تعددية الانتماءات الدينية والتعددية اللغوية وتباينات التجارب المعاشة لمختلف مكوّنات السكان. كذلك لا يتم تقديم هذا التاريخ أنه «نتاج لما كان ينبغي أن يتم» ولكن كنتاج لمجموعة من «الظروف» و«الاحتمالات» و«القطيعات» وتعاقب سلسلة من الأحداث.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يخص الأول منهما «الانتماء الوطني مقابل الانتماء القومي الشامل». وهكذا تتحدث المساهمات المدرجة في هذا القسم عن «تواريخ أوكرانية»، بصيغة الجمع وليس «تاريخ أوكراني» بالمفرد، والتمييز بين «الاتني-الوطني» و«التعددية الاثنية» وصولا إلى «التاريخ الأوكراني القومي الشامل، ما بعد القومي». كذلك يتم في هذا الإطار التعرض ل«مكنونات التاريخ الأوكراني».

ويحمل القسم الثاني عنوان: «ناتاليا، كما يكتبها التاريخ الأوكراني» وكلمة «ناتاليا» تشير إلى عودة للتسمية القديمة لأوكرانيا ما بين القرن السادس عشر والقرن السابع عشر. كذلك يتم التعرض لتاريخ البلاد في القرن التاسع عشر للمكونات اللغوية للمجتمع الأوكراني وتطورها و«للنزعة الأوكرانية خلال سنوات 1991-2001 ما بين الأساطير والأفكار الخاطئة وأخيرا ل«أوكرانيا الحديثة وأبعادها الغربية».

ورغم أن هذا الكتاب مكرّس «مبدئيا» لدراسة التاريخ المعاصر لأوكرانيا منذ عام 1991 حتى اليوم، كما يدل عنوانه الفرعي، إلا أن مساهمات كثيرة فيه تعود إلى التاريخ القديم للبلاد حيث نفهم أنها تعرّضت لغزوات كثيرة من المغول والبولنديين والليتوانيين وجرى ضمها لدول عديدة من بينها بولندة وهنغاريا ؟ المجر- والإمبراطورية العثمانية وروسيا.

وكانت أوكرانيا عند نشوب الثورة البلشفية عام 1917 قد انقسمت إلى شطرين شكّل أحدهما «الجمهورية السوفييتية الأوكرانية» المدعومة من البلاشفة الروس بينما أخذ الآخر تسمية «جمهورية أوكرانيا المستقلة». وتتم الإشارة هنا إلى أن التقسيمات الاثنية والثقافية لعبت دورا في ذلك التقسيم، وأصبحت أوكرانيا إحدى الجمهوريات السوفييتية عام 1922. لكن احتفظت المجموعات الاثنية والقومية المختلفة بهيئاتها الخاصة بها، أو شكّلت هيئات جديدة، مثلما حدث بالنسبة للأقليات البولندية والروسية واليهودية. وعادت للظهور من جديد المكتبات والمسارح والمؤسسات التربوية الخاصة بالأوكرانيين والبولنديين واليهود وغيرهم وذلك بعد فترة منع استمرت طيلة العهد القيصري. وفي نهاية عام 1991 أعلنت أوكرانيا استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، وجرى إقرار هذا باستفتاء شعبي عام خلال شهر ديسمبر-كانون الأول من نفس السنة. لم تتأخر بعد ذلك التوترات مع روسيا عن الظهور خاصة فيما يتعلق بمسألة منطقة «كريمي»، وكذلك حول مسألة السيطرة على الأسطول البحري الموروث من الاتحاد السوفييتي والمتواجد في البحر الأسود. وبعد فترتين رئاسيتين أمضاهما «ليونيد كوتشما» كرئيس لجمهورية أوكرانيا ما بين 1994 و2004.

كان قد حاول الاستمرار في السلطة لفترة رئاسية ثالثة عبر تعديل الدستور، لكن «الثورة البرتقالية» وضعت حدا لذلك ليترك السلطة في شهر يناير 2005، ليحل محله «فكتور ايوشتشينكو»، الرئيس الثالث لجمهورية أوكرانيا في الفترة ما بعد السوفييتية.ويتوقف العديد من المساهمين في هذا الكتاب عند الخلاف الروسي-الأوكراني حول أسعار الغاز الذي يعزز من «تبعية» أوكرانيا لروسيا على صعيد الطاقة. لكن وفيما هو أبعد من هذه المسألة الحيوية المتعلقة بالغاز انطرحت أيضاً مشكلة انضمام أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، الأمر الذي ترفضه روسيا رفضا قاطعا وتعتبره مساسا مباشرا بأمنها القومي.

الكتاب: مختبر للتاريخ

القومي الشامل

تأليف: جورجي كاسيانوف

وآخرون

الناشر: المعهد الأوروبي

الجامعي

فلورنسة

إيطاليا 2008

الصفحات: 310 صفحات

القطع: المتوسط

A laboratory of yrotsih lanoitansnart

dna vonaissaK yigroeG

Centre European University Press Florence, Italia 2008

310.P