«التقسيم الكبير، بين الهند وباكستان» هو الكتاب الأول للباحثة ياسمين خان، وقد نالت عليه الجائزة الملكية لجمعية المؤرخين البريطانيين. والعنوان يدل بوضوح على الموضوع الأساسي للكتاب. إن المؤلفة تعود إلى شرح السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي الذي سبق «تقسيم 1947» وأدى إليه. وكان الهدف المعلن آنذاك هو «بلوغ الحرية السياسية والعقائدية للجميع». وذلك عبر تحرر الهند من السيطرة الاستعمارية البريطانية نهائيا وقيام باكستان كدولة للمسلمين.

لكن التحليلات التي تقدمها المؤلفة تذهب إلى القول أن الواقع اتجه في منحى «آخر». فالتقسيم الجغرافي أنتج تقسيما، أو بدقة أكبر «شرخا» حسب تعبير المؤلفة، بين السكان المعنيين على الجانبين. بل وتذهب إلى القول ان الوضع الجديد صبّ في مصلحة أقلية من المستفيدين على حساب الأغلبية العظمى من المعنيين.

النتيجة الأولى التي توردها المؤلفة هي أن حوالي مليون من البشر لاقوا حتفهم وما بين 10 إلى 15 مليون جرى قسرهم على ترك منازلهم ليصبحوا مجرد لاجئين. هكذا أصبح حوالي نصف سكان لاهور وحوالي ثلث سكان دلهي من اللاجئين الذين كان قد جرى تقرير مصيرهم «من أعلى» دون أن يكون لهم رأي بذلك. وبهذا المعنى تقول المؤلفة أن ما ترتّب على «التقسيم الكبير» مثل «أحد أول النتائج الأكثر دموية وأحد أكثر الأحداث دلالة لنهاية الاستعمار خلال القرن العشرين».

هذا الكتاب هو بمجمله محاولة شرح تقوم فيها المؤلفة لتوضيح السياق الذي أنتج التقسيم والآليات التي جرى تنفيذه على أساسها وأخيرا النتائج التي ترتبت عليه. وذلك كله بعيدا عن الروايات «الرسمية» على هذا الجانب أو ذاك للحدود بين الطرفين. هكذا يجد القارئ نفسه أمام كم كبير من المعلومات المستقاة من مختلف الأراشيف المحلية أو العالمية ومن المعرفة الميدانية وأيضا من شهادات العديد ممن كانوا قد عايشوا تلك الأحداث عن قرب، أو كانوا من المساهمين فيها.

ويتم التركيز في التحليلات المقدّمة على الدور الذي لعبته «النخب السياسية» في دفع الأمور نحو التقسيم، وكذلك الدور الذي لعبه «النشطاء السياسيين» على الجانبين للدفع في نفس الاتجاه. هذان المكونان، أي «النخب والنشطاء» تجد فيهما المؤلفة العاملَين الرئيسيين في دفع الجماهير نحو العنف. هذا في الوقت الذي لا تجد فيه بانفصال بنغلاديش عن باكستان وقيامها كدولة جديدة سوى مجرّد نتيجة ثانوية لحالة «الفوضى» التي خلقها «التقسيم الكبير».

ويتم في هذا السياق التعرّض للدور الذي لعبته القوة الاستعمارية السابقة، بريطانيا التي كانت قد زرعت بذور الشقاق لتكون المقدّمة إلى الفوضى. وكان قرار سحب القوات البريطانية على عجل «طريقة للتهرّب من تحمّل مسؤولية المحافظة على السلام وترك المهمة للحكومات الوليدة والتي لم تكن مؤسساتها قد بدأت بالعمل فعليا». ومن هذه الزاوية تقوم المؤلفة بنوع من إعادة قراءة أحداث تلك الفترة المضطربة في منظور تحديد حصة كل طرف من المسؤولية.

وتؤكد المؤلفة أنه قبل شهر يونيو-حزيران 1947 لم يكن هناك من يتصوّر أن ما جرى لاحقا كان ممكنا. هذا ما يتم الوصول عبر التعرض لتاريخ العامين الذين سبقا «التقسيم الكبير»، أي فترة 1945-1947 حيث «لم تكن القوى الرئيسية الفاعلة تتوقع المآل الذي ستؤدي إليه أعمالها لاحقا».

لكن يتم التأكيد بالمقابل أن عموم الهند عرفت حالة من التشوش وعدم الاستقرار آنذاك، لكن دون أن يصل أحد إلى تصور إمكانية «رحيل البريطانيين سريعا»، بل «كان الجميع على قناعة أنهم لن يرحلوا» في المنظور القريب. بالتالي كان «من الطبيعي» أن معرفة مشروع خروجهم خلقت حالة من الفوضى التي كان من أبرز مظاهرها سيطرة الإحساس بـ «غياب السلطة» التي تفرض احترامها على الجميع. وترى المؤلفة أنه من الملفت للانتباه عدم استهداف البريطانيين المتواجدين في الهند بأي هجوم كبير رغم حالة العنف التي سادت في البلاد عام 1946.

ومع الإعلان السريع لرحيل البريطانيين قامت حكومات في المحافظات في شهر أبريل-نيسان 1946 وفقد البريطانيون السيطرة على جهاز الدولة في تلك المحافظات بحيث أصبح المعنيون فيها يتصرفون على ضوء «برامجهم» وتطلعاتهم الخاصة. وفشل البريطانيون في محاولات تنظيم مفاوضات مع الأطراف المعنية أو فيما بينها وفشلت جميع اقتراحاتهم ذلك «أن الأحداث قد سبقتها باستمرار على أرض الواقع».

تقول المؤلفة: «إن تجربة السيطرة الاستعمارية هي التي أثارت دون شك تلك الشروخ وأضافت لها مشاعر البحث عن الانفصال، خاصة لدى النخب (...) التي تشكّلت برعاية الدولة الاستعمارية نفسها». وتذهب المؤلفة إلى القول أن البريطانيين هم الذين خلقوا الظروف الملائمة لتنامي المشاعر الطائفية مع إدراكهم للنوازع الكامنة لدى مختلف الفئات المتنافسة.

وتصل المؤلفة في أطروحاتها المناهضة للتقسيم إلى حد القول أن الواقع أثبت خطأ الفكرة القائلة أن عدم قدرة طوائف مختلفة على التعايش ضمن نفس المجتمع يمكنها أن تحقق مثل ذلك التعايش المنشود عبر إقامة دولتين متجاورتين. الدليل الذي تقدمه هو الحروب الهندية-الباكستانية التي قامت في 1947 و 1965 و 1971 (عندما انفصلت بنغلاديش عن باكستان) و 1999.

وكتاب اعتبره معلقون عديدون أنه أفضل الأعمال حول سياسة التقسيم التي انتهجتها «الإمبراطورية البريطانية» لمستعمراتها في شبه القارة الهندية.

الكتاب: التقسيم الكبير

تأليف: ياسمين خان

الناشر: جامعة يال 2008

الصفحات: 272 صفحة

القطع: المتوسط

The great partition

Yasmin Khan

Yale University Press 2008

272.p