يضحك الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو عندما يقترب، عدد من جيرانه الذين يعيشون بالقرب من بيته في المغرب كي يقنعوه بترشيح نفسه للانتخابات البلدية هناك، ويقول: «يتمتعون بمزاج نقدي ذاتي خارق للعادة، فهم يقولون لي: الناس سيصوتون لك، لأن المغاربة كلهم لصوص» على حد تعبير غويتيسولو في حوار أجرته معه وكالة «لاريفورما» المكسيكية.

في الحي المغربي الذي يعيش فيه منذ 11 عاما، يعتبر غويتيسولو شخصية شعبية عامة، فالناس هناك يقتربون منه ليصوغ لهم شكاواهم الاجتماعية أو بغية طلب مساعدة في شأن ما، ذلك أنهم ينظرون إليه على أنه شخصية مستقلة لا بل إنهم متأكدون من ذلك، إذ يقول المستشرق الاسباني: هم يعلمون علم اليقين أني مستقل.

غويتيسولو، الذي غادر بلده اسبانيا أثناء حكم فرانكو الفاشي واختار منفاه الباريسي بمحض إرادته، ودع عالم الرواية منذ ست سنوات بعد أن أصدر «ستارة الفم» دون أن يتخيل أن شخصية قديمة وأصوات مجهولة كانت في طريقها إلى خيانة رغبته تلك. هكذا ولدت رواية «منفي من هنا وهناك». «عندما تلمع الفكرة أكتبها، لكن ليس ضرورياً أن تكون تلك فكرة لامعة، المسألة تتعلق بأنك تكتشف بصورة تدريجية صلة ما. بعض تلك النصوص كتبتها منفصلة ومن ثم ظهرت في مسخ سينتيير، الذي يلعب الخيط الناظم في العمل الجديد».

هذه الشخصية، التي تموت في «مشاهد ما بعد المعركة» 1982 ضحية اعتداء إرهابي، تعود من العالم الآخر لتصحو في مقهى للمعلوماتية. إنه كتاب مكتوب، كما يقول المؤلف، في العالم الحاضر على يد شخص كان قد مات لكنه يعود إلى العالم القائم حاليا ليمنى بالفشل من جديد. «الرجل المتآكل في الرواية ما هو إلا رد على ما يطرحه الراوي (المسخ)، الذي أصبح أكثر جنونا حين يقول: العالم أو أنا».

بالنسبة إلى غويتيسولو، تعتبر اللغة الساخرة عنصرا لا غنى عنه في العمل الأدبي، إذ يسمح له بتفريغ ذلك الحمل الثقيل الذي يحمله على كاهله منذ أن وقف على تلك المشاهد التي رآها بصفته صحافيا عمل في سراييفو والشيشان والتي لا تزال تلاحقه حتى الساعة. وهو يؤكد بهذا الصدد أن «التحقق من وحشية الجنس البشري تدمر أي مقترح إنقاذي لديك.

ترى أشياء مرعبة للغاية». في «منفى من هنا وهناك» يلجأ غويتيسولو إلى لعبة الاستعارات لإلقاء الضوء على الحالة المزرية التي آلت إليها البشرية جمعاء إثر موجة التطرف التي تجتاح العالم في الوقت الحاضر، فيستحضر ثلاثة ممثلين مزيفين أو مدعين للديانات السماوية الثلاث،الأمر الذي يسمح له بانتقاد ممارساتهم البغيضة. في«منفي من هنا وهنا» ليس هناك متسع للأمل، الأمر الذي لا يشعر غويتيسولو بأنه مسؤول عنه. «كل العالم يقدم مقترحات على غرار استخدم الكريم الفلاني تختفي تجاعيدك، اشرب هذا المشروب تكون سعيدا.

كلها مقترحات إيجابية، لكن المثقف يجب أن يكون عكس ذلك تماما. سيكون منافيا للعقل رؤية الأمل حين يكون التقدم المسمى تقدما مستداما غير قابل للاستدامة». غويتيسولو يقر بأن لديه عادات صباحية مبكرة، فهو يعمل من الثامنة والنصف صباحا حتى الواحدة ظهرا ولا يشعر بالفرح قط بالنسخة الأولى من أي صفحة يكتبها. وهو يكتب بخط يده دائما. «بقيت معلقا بالقرن التاسع عشر، لأنه في القرن العشرين راح الناس يستخدمون الآلة الكاتبة وأنا لم أتعلم قط الكتابة عليها ولم أحاول ذلك».

إنها رواية ذات فصول قصيرة تبدو أقرب حتى للمقتطفات. هل تنعكس على تلك الصفحات فكرة فناء البشرية أو سرعة زوال الحياة القائمة حاليا على الأرض؟

ثمة حجة، لكن في المقام الثاني فإن النصوص هي التي تخلق الحركة والآلية. لقد سعيت إلى التكثيف وليس التمدد. في الرواية عظيمة النجاح تروى مشاهد غير منتهية، هنا يأتي كل شيء بعيدا عن اللجوء إلى التوضيحات والتفسيرات القاطعة، فالقارئ هو الذي سيقفز عن النص.

الكثيرون يرون أن الكلمات خسرت المعركة أمام الصورة، هل من طريقة لتثو يرها؟

الشعر العظيم يبقى ويدوم ونثر كالذي أبحث عنه وأسعى إليه كذلك. السواد الأعظم من الروايات التي تنشر تبدو وكأنها مسلسلات تلفزيونية. بالنسبة لي، فإن ذلك الشكل السردي لم يعد يثير اهتمامي، ومن غير الممكن بالنسبة لي قراءة رواية تقتصر على وصف الأشخاص والمظاهر. يتعلق الأمر، إذا، بمعارك فردية..

كارلوس فونتيس قال إن الأدب مثل كسب تلك الأمتار القليلة من الأرض التي حصل عليها الهولنديون في البحر، أي ان الأمر يتعلق بما هو غير مستكشف وما لم يقل بعد. أما إذا كان كذلك، فإن الأمر لا يستحق العناء أصلا.

بماذا لم تعد تضيع وقتك؟

كل ما له علاقة بالحياة الأدبية يشعرني بالملل حتى الموت، تروق لي الحياة في الأدب، الحياة الأدبية. في المغرب أعيش محاطا بالناس الذي لا يتكلمون سوى العربية ويعرفون ما أكتب، مع أنهم لا يقرأون لي وعلى هذا النحو أشعر بهدوء أكبر.

شخصيتك مستيقظة في مقهى المعلوماتية. أي أنه يمكن أن يروق لك أن تستيقظ في العالم الآخر.

لن يكون هناك استيقاظ.

باسل أبو حمدة