يختصر عهد إميل لحود بحالتين، حالة الصدمة أو الصدمات التي زلزلت لبنان جراء اغتيال رفيق الحريري وقبله إيلي حبيقة وما استتبعهما من اغتيالات، وحالة الصمود التي جسّدها الشعب اللبناني في وجه الصعوبات والمصائب التي توالت عليه على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، إضافة إلى صمود المقاومة الوطنية في وجه الغزوات الإسرائيلية المتكررة، التي بلغت أوجها أثناء حرب تموز 2006 على لبنان.
يخبرنا الكاتب السياسي اللبناني كريم بقرادوني قصة هذا الكتاب، المخصص لعرض محطات من عهد الرئيس اللبناني السابق إميل لحود، بالقول ان رئيس الجمهورية إميل لحود خصه بلقاء أسبوعي كل يوم جمعة، وقبيل كل لقاء، كان مرافق الرئيس يتصل به هاتفياً ليعلمه المكان المعتاد من دون أن يسمّيه، فيدخل إلى غرفة مطلة على البحر، وفيها مقعدان متواجهان، يجلسان عليهما وتفصل بينهما طاولة صغيرة. وقد شكّلت هذه اللقاءات الأسبوعية مادة الكتاب الأساسية، حيث حرص المؤلف على أن يسجل الأحاديث خطياً، وأحياناً بالصوت الحيّ.ويبرز المؤلف مدى التبعات التي وقعت على عاتق لحود في العديد من المسائل والمشاكل، ولا سيما في بداية عهده، معتبراً أنه جسّد عند انتخابه في أواخر 1998 صورة الرئيس القوي الذي يحمل مشروع تغيير طموح، كما جسّد صورة الرئيس المقاوم الرافض لتوطين الفلسطينيين في لبنان.
ويستعرض الأحداث الكبيرة التي حصلت خلال تولي الرئيس الموقع الأول في الدولة، حيث استتب صراع أصبح مزمناً داخل السلطة اللبنانية بين منطقين ونهجين، وانفجر يوم تكليف رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري بتشكيل أولى حكومات العهد واعتذاره بعد اتهامه الرئيس بأنه خرق الدستور ولم تمض أيام على قبضه على أزمّة الحكم وحلفه يمين الإخلاص للأمة والدستور.
وينصب الاهتمام على سيرة ومواقف لحود خلال السنوات التسع التي أمضاها في رئاسة الجمهورية، من خلال الانحياز والتعاطف مع صاحب السيرة، والتركيز على خلافه مع رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، حيث يظهر لحود بوصفه رمزاً للنزاهة والطهارة، والرجل الذي حافظ على استقلاليته وعلى سيادة قراره اللبناني. وكان قراره الأول رفض «شنطة أموال» اعتاد الحريري أن يقدمها لقيادة الجيش منذ أيام العماد ميشال عون.
وعند اختيار لحود لمنصب قيادة الجيش اللبناني رفض البحث مع رئيس الجمهورية الياس الهراوي في شؤون المؤسسة العسكرية، من باب أنه رجل لا «يخضع إلى امتحانات». وحين تمّ التمديد لرئاسته «لم يكن يطلب شيئاً لنفسه». أما عندما أصبح ابنه إميل إميل لحود نائباً في البرلمان اللبناني، فبوصفه رئيساً للجمهورية اللبنانية رفض ترشيحه لكن الشعب اختاره نائباً، حسبما يذكر المؤلف.
ويقدم بقردوني الرئيس إميل لحود بوصفه صاحب اعتقاد راسخ، ينهض على أن المفارقة الأكثر إيلاماً، بالنسبة إليه، هي أن تعيش في كنف وطن لا ترغب أن تموت من أجله أو في أرضه، وان استعادة الأرض، مهما كانت التضحيات، هي استعادة للكرامة الوطنية من براثن الذل، فيتوحد الشعب على الانتصار وينتفض لعزة وطنه ومنعته.
ويؤمن بأن لا تلغى المقاومة قبل انتهاء الصراع، ولا يأكل الوطن أبناءه بعد أن يكون قد خرج مرفوع الجبين من مذلة الاحتلال واغتصاب الأرض والحقوق والثروات الوطنية، وأن التحرير يلازمه حق العودة، فيتحرر الداخل بعد أن يطمئن الشعب على سلامة حدود الوطن ومصيره. فكانت لازمة العهد الثانية والمرادفة للمقاومة منع توطين الفلسطينيين في لبنان، وكانت قمة بيروت ومبادرة السلام العربية التي أدخل إلى صلبها الرئيس لحود حق العودة بموقف مشهود له.
ويعتبر بقرادوني أن المرحلة الثانية من عهد لحود التي امتدت من 2001 إلى 2004، تميزت بالاستقرار الأمني، وبحال من المساكنة المتوترة بين لحود والحريري، وانتهت بقرار التمديد للحود ثلاث سنوات إضافية في رئاسة الجمهورية وبموافقة الحريري على مضض. لكن، عندما وصل الخلاف ما بين لحود والحريري إلى حدوده القصوى، قال لحود للحريري هذه المرة: «عليك أن تقتلني» إذا كنت تريد إكمال مشروعك الاقتصادي والمالي.
أما خلاف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مع لحود فقد تصاعد أيضاً بسبب دور مدير الأمن العام السابق اللواء جميل السيد. وعاش لبنان في تلك الفترة على وقع تصادم أهل الحكم، في الوقت الذي انعقدت فيه القمة العربية على أرضه. وقد أصرّ لحود على حق عودة الفلسطينيين ورفض التوطين، فيما كانت واشنطن تمارس الضغوط على سوريا بإصدار قانون لمحاسبتها، ودخل العهد زمن الويلات في مرحلته الثالثة والأخيرة،.
حيث تجدّدت الخلافات بين لحود والحريري وبلغت أوجها مع قرار التمديد للحود لثلاث سنوات في رئاسة الجمهورية، ومحاولة اغتيال مروان حمادة، وتشكيل حكومة عمر كرامي، واغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وما تبعه من انسحاب الجيش السوري على نحو سريع ومفاجئ، إضافة إلى حالة العزل التي فرضت على لحود، مروراً بعودة ميشال عون من المنفى وإطلاق سراح سمير جعجع من السجن، وانتهاء بمسلسل الاغتيالات والمواجهات.
ويروي المؤلف بأن الرئيس لحود كان أول من وضع ملاحظات تهدف إلى تحصين «المحكمة الخاصة للبنان» ضد التسييس المحتمل كي تصل إلى الحقيقة المجردة، فتعالى على التجريح، إلا أنه لم يفرّط في موضوع تجاوز رئاسة الجمهورية في إقرار المحكمة، ذلك أن الموقع ليس ملكه، ويرفض تسجيل سوابق مخالفة للدستور. كما كان «الرئيس لحود يردد دوماً ولا يزال أن ضميره مرتاح وان منجزات عهده في متناول الجميع وعلى مرأى من الجميع، وان منطقه في الحكم هو منطق الدولة وليس منطق المحاصصة أو الانتقام، وأنه لم يسع إلى المناصب، بل سعت إليه.
وغادر لحود القصر الرئاسي عند انتهاء ولايته الدستورية الممددة، في 23 تشرين الثاني 2007، من دون أن يتم انتخاب خلف له، ليدخل لبنان مرحلة الفراغ الرئاسي الذي استمر قرابة الستة أشهر، إلى أن انتخب مجلس النواب العماد ميشال سليمان رئيسا توافقيا للجمهورية .
المؤلف في سطور
كريم بقرادوني، سياسي وكاتب لبناني، شغل منصب مستشار الرئيس اللبناني الياس سركيس من العام 1976 إلى العام 1982. ثم شغل مهام نائب قائد القوات اللبنانية من العام 1986 إلى العام 1988، ثم أصبح رئيساً لحزب الكتائب اللبنانية في 4 تشرين الأول 2001. وعيّن وزيراً للتنمية الإدارية في 17 نيسان 2003، ثم استقال من رئاسة الحزب بنهاية عام 2007.
صدر له العديد من المؤلفات، منها: «هيكلية حزب الكتائب» - أطروحة للعلوم السياسية، 1967، و«الرهان اللبناني، 1970» و«الديمقراطية في السبعينات، 1970»، و«السلام المفقود - عهد الياس سركيس 1984»، و«لعنة وطن - من حرب لبنان إلى حرب الخليج، 1991»، و«رسالة الى المستقبل - نداء الى الشباب في الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس حزب الكتائب اللبنانية، 1992»، و«الحرية المغضوب عليها، 1996»، و«سمير جعجع: الحبيس، 1999».
الكتاب: صدمة وصمود عهد إميل لحود (1998 - 2007)
المؤلف: كريم بقرادوني
الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر بيروت 2009
الصفحات: 516 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش

