الحقيقة البسيطة جدا والسخيفة بعض الشيء، وان كان اكتشافها وعبؤها ثقيلا..هي أن الناس يموتون وهم ليسوا سعداء بحسب الأديب «ألبير كامو».

مفهوم السعادة تلك الكلمة المركبة التي انشغل بها وبمعناها: «الفلاسفة والصعاليك...الأغنياء والفقراء.. الأصحاء والمرضى.. الرجال والنساء». فضفاض غامض.مختلف باختلاف كل فرد عن غيره، فهذا يراها في جمع الأموال، أو الهيبة الاجتماعية.

وذاك يراها في السفر واللهو، أو في الشهرة. ما يتوهمه البعض بأنه سعادة، قد يكون هو التعاسة بأحلى معانيها، ويمكن القول بان فشل الإنسان منذ أقدم العصور وحتى اليوم في أن يقيم على سعادته على الأرض ناجم عن طغيان الشر واستفحاله..

بسبب الأهواء المنحرفة واندفاع الغرائز وإشباعها بشكل عشوائي ودون ضوابط، وعدم خضوعها لمعايير التنظيم، مما يؤدي لا محالة إلى خفوت صوت العقل وغياب المنطق وتلاشي الحدود الفاصلة التي تميز الإنسان عن الحيوان، والأمثلة اليومية في كافة المجتمعات المتصلة بالسلوك والممارسات تدل دلالة قاطعة على الآثار المدمرة التي يخّلفها الانقياد الأعمى للغريزة، والذي جعل الأفراد والمجتمعات تعيش في دراما مأساوية من المعاناة والعذاب.

يقدم المؤلف عبر تجربته الذاتية في الغرب.. وهي الفترة التي اضطرته لان يعيش فيها بين بريطانيا وأميركا، مرغما للتواصل مع أناس لا وجوه لها.. وقبلها العراق في ظل النظام البائد، يطرح مفاهيم الغرب ضمن أبواب تتعلق بالحياة بمفهومها العام، لكن ضمن تفاصيل يومية على المستوى الاجتماعي والسياسي والثقافي والفني والديني أيضا.يضيء على «تجربة شاب عربي في بلاد العالم الأول المتطور.. حلم الشباب العربي اليوم..

الحلم الذي يصّدر لنا عبر وسائلهم المتطورة والمتنوعة والتي تحاول إقناعنا أنها البلاد الوحيدة التي تحترم الإنسان وتقدره.. تحقق له الأمن والحرية... وفي المقابل مئات القتلى يركنون في زوايا قصية من العراق... وهاهي تطبق هذا الاحترام لمواطنيها بان تمنحهم شرف قتل المواطن العربي في العراق.. والآخر في فلسطين.

يقدم تفاصيل حياتية عاشها ولمسها ليسردها بشكل عفوي ممتلئ بالكثير من السخط والحزن تمسه كشرقي. باعتبارها تشكل خرق لكل ما نحمله نحن الشرقيون من قيم وأخلاق وثقافات وحضارة أيضا.فمن المفترض لأية حضارة أن تخلق السعادة وتؤمن الإحساس بالأمن وتكريسه في عقول مواطنيها، وتعد الحضارة فاشلة وهابطة إذا وجدنا غالبية شعوبها تعيش وسط الآلام والاكتئاب والقلق والشعور بانعدام الأمن والأمان.

الحضارة المنحطة لا يكون نتاجها إلا التعاسة، واليأس والمعاناة، كما أنها بمنزلة سرطان يفتك بإحساسك وهويتك ويقوض صفاءك وسعادتك.

الوجه الآخر للحضارة الغربية وثقافتها والآثار السلبية المدمرة ومحاولات إجهاض الحضارات الأخرى كافة بمزاعم التفوق والعظمة على العالم اجمع.

هو ما اختبره المؤلف الذي لم يكن سوى رجل مكسور في زورق مستغرق بالغرق، وسط أمواج البحر الغاضبة، لا يدري لأي وجهة يتوجه، ولا يعرف كيف يتحرك في هذا الجو العاصف.

بدأ بدراسة العوامل المتعلقة بتلك الحضارة الغربية التي أقحمت شعوبها في مستنقعات التدهور والانحطاط، ونجحت في تجريد الشعوب من أي إحساس بالوطنية والحب تجاه وطنه الأم، وفي سلب وطمس حس الانتماء إلى الأمم والتقاليد والقيم والحكمة لكل بلد، واستبدلت ذلك كله بأشياء فارغة لا معنى لها بقيم حمقاء تشكل بمجموعها محتوى تلك الحضارة وهي المكونات الأساسية متوجة بالانحطاط والتدهور.

لقد تم تدمير وجود العائلة، ومن ثم تم افتقاد الرجال والنساء: للتوجيه الحميم المنبثق عن القيم والتقاليد والأخلاق التي تأتي من لحمة العائلة وتفرعات وحدتها.

إنها حضارة جوفاء.. «متحجرة القلب..وبلا رحمة..خالية من اللمسات الإلهية الروحية..بعيدة عن الله في حياتها اليومية، يعيش أناسها في حالة ضياع.. إذ أن الحياة لامعنى ولا قيمة لها.

تخلق وهي على هذا النمط حالة من الشتات والقلق لدى شعوبها.ولكن ماذا يعني افتقاد تلك العوامل في حياة الأشخاص العاديين في الغرب ؟؟ يكمن الجواب بكل بساطة في تعرية المواطن وتجريده من الحس والأمن، وانعدام انتمائه إلى الأمة، وفقدان الروابط المتينة، وهكذا يرى نفسه معزولا ومهملا ووحيدا، مع فقدان معنى حياته.

عبر فصول كتابه الممتعة المدعمة بشواهد دامغة لثقافة بلد، وفكر بلد، وجنون بلد..ولأكثر الحضارات مرضا وتشوها يخلص المؤلف الذي اختار الحياة في سورية لإيمانه بعدم صوابية أن يشب أولاده في الغرب للقول إن فكرة كتابه تنص بكل وضوح على أن الغرب المعادي للحضارة يهدف إلى أمرين هما: «تدمير جميع الثقافات في أنحاء العالم كافة أولا، إضافة إلى تدمير سعادتنا وتحطيمها وتعكير صفونا وتخريب عقولنا ثانيا.

وبما أن الحضارة الغربية تمتلك بعض الجوانب العظيمة في تقنيتها واقتصادها فالواجب علينا هو ألا نرفض جميع جوانبها بل اختيار وانتقاء ما هو مفيد لنا، ورفض ونبذ كل ماهو ضار وغير نافع. ولنا نحن البشر حرية الاختيار: «إما بتقبل تلك الحضارة أو رفضها.

الكتاب: هل نحن سعداء

المؤلف: إياد عزت غرباوي

الناشر: إصدار خاص 2008

الصفحات: 203 صفحات

القطع: الكبير