(الأغاريد والعناقيد) مجموعة شعرية تمايزت عن الرائج المعتاد في حرصها على الوزن العمودي في أغلب القصائد، وهذا عائد إلى ثقافة الشاعر (سيف المري).
وما يعزز هذا الرأي حضور الموروث الشعري العربي في كل جوانب تلك القصائد، ابتداء في انتخاب بعض المفردات التي شاعت في الشعر القديم: (مدنف ـ الأغن ـ الأثيث ـ الحرجف ـ خريدة ـ الهوادج ـ الحنادس). مرورا باستخدام بعض الجمل التي تنحو النحو ذاته: (كاعبا أترابها الخرّد ص58 ـ نسائم سجسجها قرقف ص64 ـ سامه البين خسفا ص72 ـ جسّ الرّسائس ص200 ـ عاتكات كوانس ص202). وصولا إلى الصور الشعرية التي تنهل من تجربة مؤسسي الشعر العربي وفحوله الأوائل: (قف بالطلول وحيها تبجيلا/ وأطل على أحجارها التقبيلا. ص114).وهذا النهج امتد أيضا إلى القصائد التي خرجت من عباءة الشعر العمودي، فالشاعر (المري) بالغ التأثر بالشعر العربي الكلاسيكي، وهذه خصلة فريدة تميزه عن باقي شعراء العربية في عصرنا الحالي. (وإذا هاج الغرام/ ورمى الشوق السهام/ فثقي أني بلا شوقي حطام/ وبأني لم أزل أبحث عن ظل السلام. ص128).وقد برزت شخصية (المري) من خلال أسلوبه الذي يبتعد عن الغموض المتعمد، والإبهام المغلق، ويحرص على البساطة في حياكة القصيدة الشفافة التي تخبئ في طياتها الكثير من المعاني التي يمكن استخلاصها بعد تأمل معانيها وتدبيرها.
معظم قصائد (المري) غزلية، وهذا ما اعتدناه لدى الشعراء القدامى والمحدثين، وقد حضرت المرأة في تلك القصائد كالغزال برشاقتها وحسنها، ضمن أكثر التشبيهات تداولا في الشعر العربي، ولكننا نلحظ ـ على سبيل المثال ـ أن الشاعر لم يشبه عيونها بالمها كما هو شائع سالفا، فالشاعر ينتقي إذا ما يناسب ذوقه، ويترك ما لا يوافق مزاجه، وبذلك حقق توازنه الخاص، وتفرده الشخصي.أما تلك المرأة المحبوبة فهي محصنة في مكان بعيد يصعب الاقتراب منه، أو تخطي حواجزه، لهذا غابت المرأة عن الحضور الفعلي، واقتصر دورها على دور المعشوقة الملهمة فحسب، لذلك لم تشارك في فعل الحب بحضورها.
أما العاشق فهو الذي يعاني من فراقها دون معرفة الأسباب، وكأن قدره أن يتعذب في الحب وحيدا، أكثر مما يتعذب في سبيل امرأة بذاتها. كما نلحظ أن العاشق كثير البكاء، فنادرا ما تخلو قصائد الغزل من العاشق الباكي الذي يذرف الدموع الغزيرة التي تجرح الخد وتوقظ جراح القلب، لاسيما إذا أطبق الليل الداجي بظلامه الدامس. ورغم كل شيء يظل المحب مخلصا لحبه، حتى حق له أن يدعي بأنه (المحب الأكبر ص198). بل ارتقى حتى صار (في ملة الغرام إماما ص148).
كما يحفل الديوان ببعض القصائد الوجدانية التي يتحدث فيها (المري) عن وجهة نظره وآرائه في الحياة، وهي بمجملها تتفق مع المفاهيم الإنسانية العامة التي تنطوي تحت لوائها معتقدات البشر جميعا.ورغم أن الشاعر يعترف في بعض تلك القصائد أن مركبه ضائع في لجة الظلام فإن هذه الحالة لا تدوم، فهي أشبه بحالة مؤقتة معاشة نتيجة ظروف عابرة، دون أن يغيب عن بالنا أن الشاعر يؤكد أكثر من مرة أن صاحب العقل شقي في حياته، بينما الجاهل يعيش سعادته غير عابئ بشيء.
ولكن هذا بالتأكيد لا يستهوي الكاتب المبدع، إذ سرعان ما يرتدي (المري) جبة الحكيم، ويحدثنا عن تأملاته الوجدانية، وتجاربه الخاصة في الحياة، ليكتشف أن العزلة قد تكون هي الطريق الأسلم بعد أن اجتاح الشر العالم على الأصعدة كافة. (علمت من الدنيا الذي كنت جاهلا/ بأنك إن شئت الحلاوة كن مرا. ص104).
بعد الاطلاع على خط (المري) الشعري نجد أنه لا بد من أن يتضمن ديوانه بعض قصائد الرثاء والمديح، شأنه شأن الشعراء المبرزين في تاريخ الشعر العربي، وإن كان لكل شاعر أسلوبه المتفرد وطريقته الخاصة في الرثاء والمديح.ويرثي الشاعر منطلقا من القيم العربية التي فاخر بها الأجداد مذ كان الشعر(أين الذي من جوده وسخائه/ يحيا الضعاف ويغتني الفقراء. ص84).
أما في المديح فالشاعر يغرق الممدوح بصفات المهابة والجلالة، شأن شعراء العربية الذين أسهبوا وأطنبوا في تعديد ميزات الممدوح حتى رفعوا الممدوح إلى مقام عال لا يبلغه الإنسان إلا في تلك القصائد. (أنت كالشمس إن تغب عن مكان/ يعتريه بعد المغيب الظلام ص96).
وفي القصائد الوطنية تبرز بجلاء قوة الانتماء لدى (المري) وتعلقه بوطنه، حتى إنه كلما ذكر وطنه ذكر الله تعالى لسمو الوطن لديه وارتفاع شأنه (جعلت حبك بعد الله يا وطني ص86) و(حماك الله يا وطني مهابا ص92).
كما لا تغيب القضية العربية الأولى عن شعر (المري) الذي يقدم رؤيته الشخصية بحاضر فلسطين ومستقبلها. (لا تجعلوا لبني صهيون مدخلا/ فإنه لخراب العرب ما طلبوا. ص206).
الكتاب: الأغاريد والعناقيد
المؤلف: سيف المري
الناشر: دار الصدى دبي 2009
الصفحات: 210 صفحة
القطع: المتوسط
سامر أنور الشمالي

