القيمة التحولية للشامبو تمنحه قدراً ملحوظاً من الغموض والسحر: الغموض الذي يتخلل بريق الشعر والسحر الذي يشكّله البريق ذاك والذي يبقي النظر منشغلاً به دون أن يتعداه ولو لبعض الوقت، إذ يكون سائلاً كثيفاً في عبوته البلاستيكية الطرية والمحملة بصورة تبدو جميلة دعاية مباشرة للمادة، ثم يصبح مرغياً بعد إخراجه وغسل الشعر به وربما يكون دون رغوة، وثمة شعور بالتحول ومعرفة الخاتمة في حالة الرغوية أكثر، ليختفي كلياً ويبقى الأثر من خلال لمس الشعر لتبين نوعية النعومة الدالة عليه.
مهما تنوع الحديث عن الشامبو جهة الصنع أو المادة المصنعة أو الفعل الكيميائي له والقيمة الشرائية.. الخ، ربما كان علينا التذكير مباشرة بأنه منافس لكل ما يخص الشعر من جهة إظهاره ناعماً برَّاقاً ومصبوغاً ومحمياً من التساقط لزمن أطول، والصابون بالدرجة الأولى هذا الذي بات في خانة الكلاسيكي وحيد الفائدة غير ملبَّ للرغبة الاستعراضية التي يجلو بها من يتلمسون في الشعر زينة مطلوبة تضاف إلى جملة الزينات المتجاوزة للشكلي، إنها الرغبة الفاعلة في تأكيد الواجهة الجمالية للمرء.
وفي الوقت ذاته علينا استدراك أن الشامبو ليس حديث العهد، رغم وجود حلقة مقطوعة تظهره علامةَ حداثة طفرة في خانة جماليات الشعر، بقدر ما يكون منتمياً إلى مجموعة المواد التي تسمى بمستحضرات التجميل، سواء تلك التي لا تحتاج جهداً كبيراً للحصول عليها وهي النباتية والحيوانية وغيرهما، أو التي تطلَّبت بعض الوقت في تركيبها (بعملية المزج)، فهو في الأصل ذو تاريخ عريق يروي مدى اهتمام الإنسان بشعره إلى جانب جسمه طبعاً.
حيث يكون الشعر وبحسب لونه وطبيعته وتسريحته (وفي عالم اليوم بصورة أكثر)، وقد صار البحث عن الشامبو، وخصوصاً من قبل معتبري الشعر ميزة جمالية مؤثرة في بنية العلاقات الاجتماعية لا يمكن غض النظر عنها في صنع الغواية والاستحواذ، ومن باب جواز التدخل في لونه وشكله.
فالشامبو يساهم في دعم الطبيعة الاستعراضية للشعر وتوسيع حدود غوايته السارحة، والشعر عنصر فاعل ونشط في تقرير مصير الرغبة بالظهور بعلامة فارقة وهي جاذبية لدى الذكر أو الأنثى، إذ البريق الممتزج بالنعومة المرئية وبالرائحة النفاذة في محيط شمي معلوم أشبه بطاقم ذوقي مركَّب يتم الرهان عليه كثيراً.
الشامبو واهب النعومة المباشرة والمتانة للشعر، منوّعاً في العلاقة مع الخارج، لهذا كان الطلب عليه دون التفكير في النتائج: الكلفة والأثر السلبي أحياناً لتأثير الشامبو، بما أن الشامبو يغلّب في أصل ظهوره الشائع الاستعراضَ على الاستنهاض: أي الشكل على المحتوى، فهو مترجم أحوال حسي المقام يزاحم مترجمي أحوال آخرين جهة العناية بالجسم في اللباس ومواد الزينة الأخرى.
وليكون الشعر فاعل إغراء رغم أن الممكن التخلّي عنه ولكن الأثر يكون نفسياً والشكل الذي يعتدُّ به كثيراً وبنسب متفاوتة حسب الجنس والنوع والعمر والثقافة يستلف من المضمون تلك القيمة الأصلية المعتبَرة، ولطبيعة الثقافة هنا دورها الكبير في ذلك، وهذا الاهتمام بالشعر وتسريحاته وفي مناسبات مختلفة: احتفالات، سهرات خاصة، أعراس، مسابقات تسريحاتية...الخ، يضاعف من الأثر المقدام والعلام للشامبو كما هو الممكن التأكد منه في مراكز تسويق راقية وعادية، فالشامبو نشوة هوائية!
الشامبو يسهّل العلاقة، يقوّيها، ينوّع فيها، يتقدم بتلويح سحري دون كفالة قطعية يؤخَذ بها من قبل مقتنيه وفي المرحلة الشبابية تحديداً كما تقول لغة الإشارات والحركات التي تتمركز في الشعر المطواع بفضل الشامبو ذاك.
في الشامبو يمكن استبصار نعومتنا الوهمية بعمق جلي، حيث إنه لا يكون في مقام دوائي، ولا في مكانة المادة التنظيفية لأن صانعيه ومروّجيه ومقتنيه ومستعمليه هم في الطرف الأقصى من ذلك، كون النعومة والبريق المتحصّلين فيها لا يشكّلان حالة فضيلة صحية، إنما يُنسبان إلى الجمال الذي يُساوَم على المرئي أو الخارجي فيه كثيراً .
حيث الإبهاري صنيع الإشهاري ومحفّزه، وهذا ليس هجوماً مضاداً عليه قط وإنما يجري تقصّيه حيث يشار إليه وتنسَب له مناقب مرتجاة قابلة للاستمرار، فيعنى به وكأنه يمتلك حقاً ذلك المفعول السحري الذي يمكن تلمسه في مواد أخرى: دوائية ناجعة أو غيرها.
ولكن ليس في وسع أي منا توقيف العمل به، إذ علينا في الحالة هذه فتح محضر ضبط لعشرات وربما مئات السلع ذات الصفة الجمالية أو ذات الصلة بالذوق الجمالي المستحدث وهي في حقيقتها تكمّل تاريخ الجمال الذي تعيشه البشرية مذ وجدت ومدى تداخل الوهم والحقيقة فيه عملياً ونظرياً.
ومن الصعب إن لم يكن مستحيلاً الفصل بين الوهمي والحقيقي كما هي الجوانب الأخرى تلك التي تميّزنا في علاقاتنا الاجتماعية والتربوية وما يمكن أن نقوله بطريقة استعارية لحظة التذكير بالشامبو في الكثير مما نعتمد عليه ذوقياً وفيما بيننا: لحظة تصوره، ولحظة البدء باستعماله، ولحظة الانتهاء منه، وبقاء الأثر. أليست الكلمات ذاتها تمتلك جانباً تحولياً (شامبوياً) في بنية استعمالها وما يُبتغى منها ظاهراً وما تكون عليه حقيقة باطناً؟
إبراهيم محمود
