قاهرة الخديوي إسماعيل التي حلم بها أن تكون باريس الشرق تخطيطا وتصميما وطرازا معماريا، جعل من أتى بعده من ملوك وسلاطين وأمراء ووزراء وأرستقراطيين يستكمل المسيرة، هذه القاهرة التي كانت ذات يوم على قدم المساواة في جمال فنون طرزها المعمارية مع باريس تعيش اليوم تحت وطأة استشراء فساد الذوق بل وسقوطه حتى ليصعب رؤيتها والتمتع بتجليات عمارتها الجمالية إلا إذا أغمضنا الطرف عن حضور هذا الفساد.

وما ارتكبه من جرائم بشعة شوهت ولا تزال تشوه جمال القاهرة الخديوية كما يطلق عليها، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا ليلا حين تصفو وتروق وتغتسل من أدران أضواء المحال المتناقضة والفجة ومن السيارات التي تتخذ من شوارعها الفخمة (جراجات)، ومن التعديات السافرة للمحال والمتسولين والباعة المتجولين وباعة الأرصفة والمحال ذات الطابع الأميركي «التيكاوي» وغير ذلك..هذه الجرائم التي تبدو آثار العولمة إحدى سماتها يرى البعض فيها دفئا قاهريا مصريا يناقض تماما الحقيقة، فالدفء لا يتأتى من العشوائية وانتهاك القيم الجمالية للعمارة وتهديدها بالسقوط.

والدفء لا يكون بالاضرار بالأثر جماليا وفنيا تتجسد في محال ودكاكين وبوتيكات وبازارات ومقاه ويافطات إعلانات وكوفي شوب تلحق الضرر بإطلالتها الحضارية والثقافية حتى لا يتاح للمتجول فرصة اكتشاف وجود هذا الجمال نهارا وليلا إلا في استثناءات قليلة.في عمق الليل يمكن أن نرى تجليات الثقافة الأوروبية عامة والفرنسية خاصة في المعمار القاهري من حي الزمالك وجاردن سيتي والموسكي والعتبة الخضراء ومصر الجديدة وشوارع عماد الدين و26 يوليو وطلعت حرب وسليمان باشا وشارع وميدان التحرير، ثقافة الأمراء والوزراء والطبقة الأرستقراطية المصرية والجاليات الأجنبية منذ الحملة الفرنسية وإلى فترة ما بعد ثورة يوليو 1952 بقليل.

ففرنسا كانت وربما لا تزال حاضرة بقوة ليس في عمارة أحياء القاهرة فقط بل وفي شريحة عريضة من المجتمع المصري تحتفظ في رؤاها وسلوكياتها برؤى وسلوكيات ذات طابع فرنسي رافضة للأمركة.فعلي سبيل المثال مقاييس الجمال لدى الرجل المصري تتمثل في المرأة الفرنسية وكثيرا ما ترد على لسانه «هذه المرأة أو تلك الفتاة قوامها فرنسي» وهذا دليل على خفتها ورقتها، كما أن العطور الفرنسية تستحوذ على عقول الرجال والنساء في مصر وسر جودة أي عطر هو كونه فرنسيا، ولدى خاصة المثقفين والكتاب والفنانين التشكيليين تمثل فرنسا بوابة الآداب والفنون والثقافات العالمية، وما من أحد منهم إلا وحلم بالجلوس على مقاهي الشانزليزيه، ودخول مسارح ومتاحف باريس العريقة.

إن غالبية البعثات التعليمية التي توجهت إلى أوروبا منذ بدأها محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة توجهت إلى فرنسا، واستمر ذلك إلى قيام ثورة يوليو وبعدها أيضا ولم يكن الأمر يقتصر على أبناء الطبقة الثرية في مصر بل امتد إلى طبقات أخرى..

وعلى الرغم من أن التجلي الفرنسي يمتد دوره مصريا إلى مستويات عدة من السياسة والقانون والطب إلى الثقافة والأدب، لكن هذا الدور في التخطيط العمراني للقاهرة والطرز والتصميمات يكاد يكون دورا فريدا حيث لم تقتصر رؤى المهندسين الفرنسيين الطرز المعمارية الفرنسية فقط بل شملت طرزا أوروبية أخرى ولكن بذوق ونكهة فرنسية منها طراز عصر النهضة الأوروبي بنوعيه الفرنسي والإيطالي.

والطراز الكلاسيكي وطراز الأرديكور والطراز القوطي، حتى المهندسين الإيطاليين والبلجيكيين والبريطانيين كانوا يعمدون في رؤاهم المعمارية إلى الذوق الفرنسي الذي كان مطلبا مصريا بالأساس، ولا نزال نرى ليس تصميم العمائر والزخارف والأعمدة فقط بل والأبواب الخشبية والحديد المشغول والبرامق والقباب في العديد من عمارات وسط القاهرة والعديد من الأحياء.

حين نتجول وسط القاهرة سوف تدهشنا أعمال لاشياك الفرنسي مصمم البنايات الخديوية بشارع عماد الدين وقصر الأمير سعيد حليم بشارع شامبليون «والذي يقتله الاهمال ويهدده بالسقوط»، والمهندس كاستامان مصمم بناية ميدان طلعت حرب التي تضم مطعماً ومقهى جروبي الشهير والنادي اليوناني، والمهندس مارسيل مصمم النادي الدبلوماسي، والمهندس ماتاسك مصمم المعبد اليهودي «شعار هاشاميم» بشارع عدلي أكبر وأفخر المعابد اليهودية في مصر.. والمهندس ماريو روسي مصمم جامع عمر مكرم بميدان التحرير.

إن الخديوي إسماعيل باشا الذي حلم بالقاهرة باريس الشرق، حقق بعضا من حلمه عندما قام بتغيير مجرى نهر النيل الذي يخترق القاهرة أسوة بنهر السين الذي يخترق باريس ولولا هذا لما ظهرت اشهر أحياء القاهرة التي تقوم عملياً على مجرى النيل القديم بعد ردمه مثل حديقة الحيوانات وجامعة القاهرة وحديقة الاورمان وحي الزمالك وقصر الجزيرة «فندق ماريوت» الذي بني خصيصاً لاستضافة الإمبراطورة اوجيني زوجة نابليون الثالث بمناسبة زيارتها لمصر.

والمهندس الفرنسي الشهير هاوسمان الذي قام بتخطيط باريس هو ذاته الذي قام بتخطيط القاهرة بطلب من الخديوي إسماعيل باشا وبوساطة صديقه الإمبراطور نابليون الثالث.

ونفذ التخطيط بدقة واتقان المهندس المعماري المصري علي مبارك، كان ذلك في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت النتيجة «القاهرة الهوسمانية» أو الإسماعيلية، بالإشارة إلى الخديوي إسماعيل، قاهرة وسط البلد ذات الميادين الجميلة: طلعت حرب، سليمان باشا، العتبة، مصطفى كامل، عماد الدين، الأوبرا وحديقة الأزبكية.

إن المتحف المصري الذي أنشئ عام (1902م) يمثل دليلا وأثرا واضحا على ولع المصريين وانجذابهم للعمارة الفرنسية فطرازه المعماري الذي فاز من بين 73 تصميما، وضعه المهندس الفرنسي «مارسيل دورنون» وشيده على طراز العمارة الكلاسيكية اليونانية الرومانية، وليس على هيئة المعابد المصرية أو متأثرا بالحضارة المصرية القديمة، فهو لا يحوي أي تأثيرات للفن المصري القديم إلا في تصميم حجراته أو قاعاته الداخلية؛ فمدخل القاعات يحاكي ضريح المعابد المصرية، والحجرات تحاكي معبد أدفو.

أما واجهة المتحف فهي على الطراز الفرنسي بعقود دائرية، تزينها لوحات رخامية لأهم وأشهر علماء الآثار في العالم، وعلى جانبي باب الدخول الخشبي تمثالان كبيران من الحصى لسيدتين على الطراز الروماني، ولكن برؤوس فرعونية.إن المتحف فرنسيا في الواجهة فرعونيا من الداخل حتى يتسق مع المعروضات.

الأثر الثاني هو قصر عابدين الذي تعاقب على سكناه ستة من أسرة محمد علي هم: إسماعيل باشا والي مصر في الفترة، ثم توفيق باشا والي مصر وعباس حلمي الثاني،ثم السلطان حسين كامل وملكان هما: فؤاد وفاروق.

صمم قصر عابدين المهندس الفرنسي(دي كوريل رو سو)، وبدأ البناء فيه عام 1863 م على مساحة 15 فداناً (حوالي 9000مترمربع) بالإضافة إلى حديقته التي تصل مساحتها إلى 19 فداناً أخرى. واستغرق بناء القصر عشر سنوات، وتم افتتاحه عام 1874 م،ووصلت تكاليف بنائه إلى حوالي 700000 جنيه مصري في ذلك التاريخ،بالإضافة إلى مليوني جنيه مصري لتأثيثه. يحتوي القصر على 500 غرفة، وخمس قاعات للاحتفالات، تتضمن كل منها 100 قطعة فنية على الأقل من روائع الفن العالمي.

كذلك الأمر بالنسبة لكوبري قصر النيل الشهير بأسديه وإطلالة الشاب والشابات على النيل من فوقه حتى ساعات متأخرة من الليل فعهدت الحكومة المصرية بتنفيذه إلى الشركة الفرنسية «فايف ليل» واستغرق العمل فيه ثلاث سنوات.

ولا يزال قصر البارون إمبان «المليونير البلجيكي البارون ادوارد أمبان» يمثل أثرا بالغ الروعة والجمال، يقف شاهدا على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مطار القاهرة الدولي ويشرف القصر على شارع العروبة بمصر الجديدة الذي صممه المعماري الفرنسي ألكساندر مارسيل وزخرفه جورج لويس كلود واكتمل بناؤه عام 1911، وبفضله تم بناء حي مصر الجديدة بمشاركة مهندسين فرنسيين وبلجيك أقاموا مباني على غرار الطراز المعماري البلجيكي والفرنسي ولكن مع إضافة لمسات خاصة تميز الطراز المعماري الاسلامي.

ومن مباني القاهرة الخديوية الفرنسية التي امتد البناء فيها من مؤسسها الخديوي إسماعيل والخديوي عباس حلمي الأول والخديوي توفيق وعباس حلمي الثاني والسلطان حسين كامل وانتهاء الملك فؤاد منطقتا الألفي والبورصة في وسط البلد، على اعتبار أنهما من أبرز المناطق ذات القيمة المعمارية، وتضمان 35 بناية بديعة الجمال، كبيرة القيمة.. كبنايات المصرف المركزي والبورصة وفندق «الكوزموبوليتان» ودار الإذاعة المصرية القديمة، وهي بنايات تنتمي إلى طرز «الروكوكو والباروك والآرت ديكو».

وتلك المباني ذات الطابع المعماري الفرنسي التي يضمها حي الموسكي حتى الآن لكن يطمسها الذوق الفاسد بضجيجه مبنى إدارة الدفاع المدني ولحريق «المطافئ سابقا» ومبنى هيئة البريد ومبنى قسم شرطة الموسكي .

وكذا مبنى مديرية الشئون الصحية لمحافظة القاهرة والذي كان مقرا لصندوق الدين الذي فرضته أوروبا على الخديوي ليراقب الأنفاق المصري آنذاك وأيضا تياترو الخديوي (المسرح القومي الآن) كما كانت دار الأوبرا المصرية والتي احترقت عام 1968 م ومقر المحكمة المختلطة خلف الأوبرا والتي أزيلت أيضا عند إنشاء جراج الأوبرا.

إن الطراز المعماري الذي يتصدر وسط البلد يعرف باسم طراز «الروكوكو»، والكلمة تعني ببساطة شديدة، طرزاً معمارية مختلفة غير متناغمة مثل طراز الدوريك والايونيك والكورنيسيان.. إلخ، المليء بالأعمدة والكرانيش والملحقات الثابتة، وهكذا شارك المعماريون الفرنسيون في بناء عمارات وسط البلد ذات الطابع الأوروبي الجميل بمعاونة المقاولين والمصممين الإيطاليين.

وإلى جوار عمائر الخديوية المميزة العمارة التي تعلو محل جروبي في ميدان سليمان باشا، والتي شيدت في أوائل القرن التاسع عشر وهي عمارة كلاسيكية بديعة.. بشرفاتها الواسعة المميزة وأعمدتها الشامخة الجميلة.. هناك كذلك شارع كلوت بك.

وهو من أجمل الشوارع الكلاسيكية في مصر، وممر بهلر بطابعه المميز والذي يضم البواكي ذات الطابع الكلاسيكي المعروف والذي يشبه ممرات روما وباريس إلى حد كبير، كذلك يجب ألا نغفل شارع محمد على بعمائره القديمة العريقة المليئة بالزخارف والنقوش والأعمدة الشامخة، ومنها أيضاً مبنى الشهر العقاري ذا الطابع المعماري الكلاسيكي، ومبنى دار القضاء العالي الذي بني في ثلاثينيات القرن العشرين.

وهناك بنك مصر بطابعه العربي الذي بناه طلعت حرب، والكنائس المشيدة في شارع عماد الدين، وهي تمت إلى «عصر الكورينسيان» الكلاسيكي القديم، وكذلك العمائر التي شيدت بالطوب الرملي في شارع عماد الدين، وميدان طلعت حرب الذي بني على طراز أرنوفو.ويعد شارع سليمان باشا الجميل بواجهات عمائره الأمامية المنتظمة والمتناسقة والموتيفات المرسومة والإطارات التي تميزها نتوءات أو بروزات تحمل طابع «الروكوكو» الأوروبي من أجمل شوارع وسط القاهرة.

باريس الشرق

إن الخديوي إسماعيل باشا الذي حلم بالقاهرة باريس الشرق، حقق بعضا من حلمه عندما قام بتغيير مجرى نهر النيل الذي يخترق القاهرة أسوة بنهر السين الذي يخترق باريس ولولا هذا لما ظهرت اشهر أحياء القاهرة التي تقوم عملياً على مجرى النيل القديم بعد ردمه.

جمال القاهرة المشوه

القاهرة التي كانت ذات يوم على قدم المساواة في جمال فنون طرزها المعمارية مع باريس تعيش اليوم تحت وطأة استشراء فساد الذوق بل وسقوطه حتى ليصعب رؤيتها والتمتع بتجليات عمارتها الجمالية إلا إذا أغمضنا الطرف عن حضور هذا الفساد وما ارتكبه من جرائم بشعة شوهت ولا تزال تشوه جمال القاهرة الخديوية كما يطلق عليها.

محمد الحمامصي