تطور القبعات بأشكالها المتعددة يوازي النمط الثقافي الشعبي والرسمي وشيوعه بين العامة، بما يلفت الأنظار الى قراءة التشكيل النمطي المتعارف عليه شعبياً بثقافته المتداولة عبر هذا النموذج الشائع بين البلدان، ولهذا تتنوع القبعات من شعب الى آخر؛ فرعاة البقر في أميركا الشمالية يرتدون قبعات عريضة ومقوسة الحافات تماشياً مع الإرث القديم الذي ورثوه من أسلافهم منذ القرن الثامن عشر.
بين الحاجة والزينة والموديل انتشرت القبعة بين الشعوب في رحلة تاريخية وثقافية طويلة الأمد بدأت ولم تنته حتى اليوم.فالقبعة وريثة التاريخ والملوكية والعروش، كما هي وريثة الفقراء والصعاليك والفلاحين وراكبي الحياة في كل منعرجاتها.ومنذ فجر التاريخ ومنذ سلالات الإنسان الأولى كانت القبعة قيمة فردية أنتجتها الحاجة والمناخ وتقلبات الأجواء.وهي قيمة ذات صفة شخصية لا ترتبط بسلوك جماعي متفق عليه ولا توحي الى ذائقة اجتماعية معينة؛ فربما كانت قبعات الأقاليم الباردة تختلف عن قبعات الأقاليم الحارة وهذا من بديهيات المكان ومناخه.
ليس هناك واقعة محددة لتاريخ محدد لارتداء الناس القبعات، فالقبعة لم تكن تشكل رمزاً كمالياً يسعى لها الإنسان، فالمصادفة المنطقية تجعل المرء يحتمي من المطر بوضع شيء على رأسه، كذلك يتفادى صهد الشمس اللاذعة، وهذا الشيء الموضوع على الرأس قد يكون مؤقتاً لمجرد انتفاء الحاجة إليه وهو ما يتوفر عادة في البيئة كالصوف والقماش وجريد النخل والأغصان وأوراق الأشجار العريضة وجلود الحيوانات وغير ذلك مما تنتجه البيئة في وقتها. العفوية والمصادفة والحاجة تلعب دوراً أساسياً في اكتشافات يومية صغيرة تسجل نوعاً من الحضور الاجتماعي والإنساني، وبالتالي تتكرس كقيمة ذاتية لها قوة البقاء، وهو ما سينتج ثقافة اجتماعية قصدية تتطور بمرور الوقت والأساليب المبتكرة.
تاريخ القبعات بداية استعمال القبعات يجب أن تكون هكذا، فالفطرة تجعل الإنسان القديم يبتكر له ما شاء من الابتكارات كي يبقى على قيد الحياة في مواجهة الطبيعة والتحايل عليها بالطرق الممكنة التي تشفّ عن وعي الإنسان في كيفية تصريف شؤونه اليومية. واذا كان هذا الجانب عاماً فإن الجانب الخصوصي منه يتجلى في الطبقة الحاكمة من النبلاء والسادة الذين وظفوا إمكانياتهم في توفير الحماية لهم من الطبيعة في شتى تقلباتها، حتى باتت القبعة ـ مثلاً ـ رمزاً اجتماعياً أكثر من كونه رمزاً فطرياً للحماية الذاتية.
ولو تأملنا شذرات من التاريخ البعيد لوجدنا نبلاء مصر القديمة يرتدون تيجانًا في وقت مبكر جدًا عام 3100ق.م.، فتحولت القبعة من الفطرة الى القصدية في هذه المرحلة وما تلاها من مراحل تاريخية.
كما ارتدى الإغريق والرومان القدماء قبعات لكي ترمز إلى مراتبهم. وارتدى بعض الإغريق القدماء قبعات تُسمى «البلوس» وكانت تُصنع من أنسجة صوفية وهي شبيهة بأغطية الرأس التي ليس لها حافة وتشبه الطربوش. فانتقلت القبعة من وظيفتها لطبيعية الفطرية الى وظيفة اجتماعية ورمزية تعني الخاصة من الناس وتشير الى سلمهم الوظيفي الرسمي.
ولم يقتصر الأمر على هذه الصورة، إذ انتشرت القبعة بين العامّة قادمة من رسميتها السياسية الى اجتماعيتها الطبيعية بعد ان تحولت من حالة وقائية الى حالة كمالية رسمية، فبحلول القرن الرابع عشر الميلادي ارتدى الناس القبعات بشكل متزايد للزينة، مما نتج عنه تطوُّر تشكيلة كبيرة من القبعات وحدوث تغيرات دائمة في الأشكال. وفي أحوال كثيرة يختار الناس في منطقة ما أشكال القبعات الملبوسة في منطقة أخرى.
وخلال القرنيين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين ارتدت النساء في أوروبا الغربية نوعًا من القبعات التي تشبه العمامة، وقد اخترن هذا الشكل أولاً من غطاء الرأس الذي يرتديه الناس الذين يعيشون في الشرق الأوسط والشرق الأقصى. وخلال القرن العشرين الميلادي تنوعت أشكال القبعة بشكل أكثر توسعا عن ذي قبل وصارت حاجة كمالية ارتبطت بالزي ولونه وشكله وموديله. لاسيما عند النساء من طبقات النبلاء والارستقراطيات اللواتي كنّ يماشين الموضات في عصورهنّ الأولى.
قبعات رعاة البقر
لا تزال حتى اللحظة صورة رعاة البقر أو الكاوبوي ماثلة فينا عبر أفلام الخمسينيات والستينيات، أولئك الذين يسنون قوانينهم بالشكل الذي يلائم طبيعة علاقاتهم بالمجتمع وتحديهم لنواميسه وقوانين الشرطة فيه.
ومن المؤكد أن أولئك الرعاة يبقون في الذاكرة بسبب قبعاتهم العريضة التي انتشرت كثيراً في مراحل مختلفة من تاريخ الحياة الأمريكية والأوربية بشكل عام، وتشير المصادر الى أن « جون ستسون» أنشأ أول مصنع لصناعة قبعات رعاة البقر وأول القبعات صنعت عام 1865.
وشرع الاميركيون يلبسون القبعات للوقاية من حرارة الشمس والريح والمطر، لكنها تحولت الى موضة فيما بعد واصبحت تُعنمر في الحفلات والمناسبات الاجتماعية.
صحيح انها حافظت على أغراضها الاساسية بيد انها اصبحت تعتمر في الحفلات والمناسبات الاجتماعية؛ وأشهر القبعات الشائعة هي «قبعات تكساس» التي تتميز بكبر حجمها او قبعات رعاة البقر وهو مايسمى بالكاوبوي وهناك قبعات «صبيان الخبازين» أو موزعو الجرائد في الخمسينيات والستينيات وظهرت به بطلات فيلم تشارليز أينجلز في مناسبات مختلفة، هذا عدا أنها تتماشى مع الكثير مع الأزياء.
أما إذا كان الوجه مستديرا، فإن القبعة العالية، مثل تلك التي اشتهرت بها النجمة اودري هيبورن في فيلم إفطار في تيفاني هي الأنسب. نفس الأمر يمكن ان ينطبق على قبعات الرجال، وإن كانت قبعات البنما الكلاسيكية هي الاكثر رسمية، أو على الأقل الأكثر تماشيا مع المناسبات الرسمية.
فيما يبقى المكان المناسب لقبعات القش المستوحاة من قبعات رعاة البقر الأميركيين، المنتجعات الصيفية وإجازات نهايات الأسبوع مع أزياء رياضية أو شبابية مثل الجينز. كذلك الأمر بالنسبة لقبعات البايزبول، التي أصبحت بخامات أنيقة جعلت معظم الشباب يقبلون عليها، بعد ان كادت في فترة من الفترات تصبح اكسسوارا خاصا بالرجل الأصلع الذي يحاول ان يموه على هذه الحالة، أو بالرجل الخمسيني الذي يبحث عن شباب ضائع.
تنوع القبعات
الآلة الصناعية الحديثة طورت من شكل القبعة باستخدام مواد مختلفة وتفنن مصمموها بإيجاد أنواع مختلفة منها، طبقاً للنوع الشعبي والاجتماعي لكل بلد يرتدي شعبه القبعات، وبالتالي يعكس النوع الثقافي السائد هناك.
بمعنى أن تطور القبعات بأشكالها المتعددة توازي النمط الثقافي الشعبي والرسمي ربما وشيوعه بين العامة، بما يلفت الأنظار الى قراءة التشكيل النمطي المتعارف عليه شعبياً بثقافته المتداولة عبر هذا النموذج الشائع بين البلدان.
ولهذا تتنوع القبعات من شعب الى آخر؛ فرعاة البقر في أميركا الشمالية يرتدون قبعات عريضة ومقوسة الحافات تماشياً مع الإرث القديم الذي ورثوه من أسلافهم منذ القرن الثامن عشر وهي قبعة «الجوشو» والفلاح في روسيا يلبس قبعة فرو تغطي كل رأسه وقاية للبرد ومهرجو السيرك يلبسون قبعات خاصة قد لا تكون مألوفة في الوسط الاجتماعي، وفي البلاد العربية شاع استعمال الطرابيش في مصر وسوريا ولبنان و«الفينات» في العراق والعمامة في السودان والغترة في دول الخليج العربي كبديل للقبعات الغربية.
ويرتدي الجنود في كل العالم الخوذ البلاستيكية أو الحديدية كنوع عسكري يشير الى أنه قبعة لكن بوصف آخر، كما أن رجال الدين لديهم قبعاتهم الخاصة كالجماعة الدينية المعروفة باسم أميش يمكن أن يدل عرض حافة القبعة وارتفاع تاجها على كون الشخص متزوجًا أم لا. وهذا تعبير عن حدس اجتماعي.
كما إنه يشير الى هوية دينية معينة، وفي أسكتلندا يرتدي الناس غطاء صوفيًا للرأس بدون حافة وله كرة في المركز يُسمى «التاميّه» وهذا جزء من عاداتهم الوطنية، وبين العادة الوطنية والشعبية والهوية الثقافية تستقر القبعات على الرؤوس في العصور كلها مؤكدة اصالة الثقافات المحلية عبر قبعات مواطنيها.
نظرية القبعات الست
حاول بعض العلماء أن يتعمقوا في دراسة وتحليل عملية التفكير عند الإنسان وسعوا إلى تنميطها وتقسيمها حتى يسهل التعامل معها ومن أشهر العلماء الذين قاموا بهذه الدراسات الطبيب البريطاني « إدوارد دي بونو» مستفيداً من معلوماته الطبية عن المخ في تحليل أنماط التفكير عند الإنسان حتى ابتكر نظرية القبعات الست، واستخدم مفردة القبعة كناية عن الرأس لأنه مركز المخ ومركز التفكير، وجاءت نظريته على وفق الشكل التالي:
1 ـ التفكير المحايد ويرتدي القبعة البيضاء، وهذا النوع يجبيب إجابات مباشرة محددة على الاسئلة وينصت جيداً متجرداً من العواطف ويمثل دور الكمبيوتر في إعطاء المعلومات او تلقيها ويهتم بالواقع والارقام والاحصارات.
2 ـ التفكير السلبي ويرتدي القبعة السوداء وهذا النوع مثال للتشاؤم وعدم التفاؤل باحتمالات النجاح. كما يركز على العوائق والتجارب الفاشلة ويكون أسيرها ويستعمل المنطق الصحيح وأحيانا غير الصحيح في انتقاداته.
3 ـ التفكير الإيجابي يرتدي القبعة الصفراء: وهو متفائل وإيجابي ومستعد للتجارب ويركز على على احتمالات النجاح ويقلل احتمالات الفشل ولا يستعمل المشاعر والانفعالات بوضوح بل يستعمل المنطق بصورة إيجابية ويهتم بالفرص المتاحة ويحرص على استعمالها.
4 ـ التفكير العاطفي يرتدي القبعة الحمراء: يُظهر أحاسيسه وانفعالاته بسبب وبدون سبب ويهتم بالمشاعر حتى لو لم تدعم بالحقائق والمعلومات ويميل للجانب الإنساني أو العاطفي وآرائه وتفكيره تكون على أساس عاطفي وليس منطقي وقد لا يدري من يرتدي القبعة الحمراء أنه يرتديها لطغيان ميله العاطفي.
5 ـ التفكير المنظم يرتدي القبعة الزرقاء: يبرمج ويرتب خطواته بشكل دقيق ويتميز بالمسؤولية والإدارة في أغلب الأمور ويتقبل جميع الآراء ويحللها ثم يقتنع بها ويستطيع أن يرى قبعات الآخرين ويحترمهم ويميزهم.
6 ـ التفكير الابداعي ويرتدي القبعة الخضراء: يحرص على كل جديد من أفكار وتجارب ومفاهيم ومستعد لتحمل المخاطر والنتايج المترتبه ويستعمل وسائل وعبارات إبداعيه مثل (ماذا لو ؟ هل ؟ كيف ؟ ربما) ويعطي من الوقت والجهد للبحث عن الأفكار والبدائل الجديدة.
بلدية دبي والقبعات المستعملة
قبل أيام قليلة نظمت بلدية دبي مجموعة من الفعاليات والأنشطة ضمن مناسبة اليوم العالمي للعمال في إطار حرصها وحمايتها لحقوق العمال في المجتمع، وأطلقت إدارة التسويق المؤسسي والعلاقات مبادرة جمع القبعات المستعملة، ويتم خلال الحملة تجميع القبعات وتسليمها إلى العمال الذين يعملون ضمن مشاريع الدائرة..
جون واين في «القبعات الخضر»
خلال سنوات طويلة حضر هوارد هاوكس فيلماً كبيراً، كان من المفروض أن تقع أحداثه في فيتنام، لكنه في اللحظات الأخيرة، أحجم عن مشروعه. وحاول جون واين ما كان أحجم عنه رفيقه هاوكس وأعد مشروعاً لم يجد له أي مخرج مستعد لتنفيذه، فأخرجه بنفسه. وهذا المشروع هو فيلم «القبعات الخضر» الذي ضرب بالبيض والطماطم، وأحياناً بالزهور، حيثما عرض.
وكما يدل عنوانه فإنه يتحدث عن بطولات الكوماندوس الأميركية من ذوي القبعات الخضراء، الذين لا يكفون عن معاملة الناس الأبرياء، وحتى «المجرمين» الفيتكونغ - الأسرى، بكل طيبة وود، وينقذون الأطفال، أما الفيتكونغ فيعرضهم الفيلم على شكل شياطين مجرمين جبناء، يعتدون على الفتيات الصغيرات، ويهاجمون القرى الآمنة.
الحديث عن فيتنام في هوليوود هو بمثابة الحديث عن صنف واسع جدا ومتشعب ومتنوع. فالحرب التي خاضتها أميركا في الستينات من القرن الماضي كانت هي الأكثر تأثيرا في المجتمع الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية.
ولذلك فقد كانت هذه الحرب موضوعا لكثير من أفلام الحرب الأميركية اللاحقة. إلا أن الحديث بموضوعية وبمصداقية حول الحرب لم يكن ليحدث في سنوات الحرب لأسباب سياسية داخلية، ولذلك فقط اتسمت أفلام تلك الفترة ببروباغاندا سياسية لم تكن لتروق للشارع الأميركي. واهم تلك الأفلام هو فيلم «القبعات الخضر»The Green Berets للممثل الأميركي جون وأين الذي قام بإخراجه أيضاً عام .
وارد بدر السالم



