ماذا كتب أولئك المشاهير من كتّاب ورسامين وموسيقيين وفنانين ورجال الدولة وغيرهم في كلماتهم الأخيرة لأولئك الذين يحبونهم؟ «رسائل الوداع»، هو كتاب يحاول الإجابة على مثل هذا السؤال. ذلك من خلال مائة وأربعين رسالة قامت بجمعها والتعليق عليها السيدة اغاتا كولومبييه هوشبرغ.

وإذا كان العديد قد تناقلوا ما كان قد قاله مبدعون ومشاهير في شتى الميادين والمشارب، فإنه من النادر أن قام أحدهم بجمع ما كان أولئك المشاهير وغيرهم قد كتبوه في رسائلهم الأخيرة. هكذا يجد القارئ بين يديه 140 نصا تعود لـ60 شخصية شهيرة كانوا قد وجهوها وهم على سرير الموت، على أساس وعيهم أن النهاية قد اقتربت، أو وجهوها لسبب لديهم دون أي إدراك منهم باقتراب ساعتهم.

كانت ماري انطوانيت، زوجة لويس السادس عشر في عداد الفئة الأولى المدركة لنهايتها بينما ينتمي سيلين وت. و لورنس وكامو وفيتزجيرالد وابولونير وكافكا وبروست وكوكتو إلى الفئة الثانية. بعض الذين تضمهم هذه القائمة «الثانية» كانوا على «يقين» باقتراب نهايتهم، مثل هنري ميلر الذي كتب في رسالة له عام 1980: «لقد جاءت اللحظة، أنا حقيقة أمام الموت».

وتتوقف السيدة كولومبييه هوشبرغ أمام تلك الرسائل التي وصلت إلى الموجهة إليهم بعد موت كاتبيها. مثل تلك التي كتبها انطوان دوسانت اكزوبيري، صاحب رواية «الأمير الصغير» الشهيرة، عام 1944 ولكنها لم تصل إلى أمه إلا في شهر يوليو- تموز 1945، أي بعد عام كامل من موته المجهول حتى الآن، بعد سقوط طائرته المقاتلة التي كان يقودها متوجها نحو تونس في إطار مهمة عسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية.

يقول اكزوبيري موجها كلماته لوالدته: «متى سيكون ممكنا أن نقول لمن نحبهم أننا فعلا نحبهم»؟. مثل هذه الرسائل تطرح علاقة الإنسان مع الآخرين ومع الزمن ومع الحياة وقبل كل شيء مع عاطفة الحب ، كما تقول أغاتا كولومبييه.

ومن سمات أولئك الذين يواجهون الموت أو يدخلون في «منطقه» هو أنهم «يتحررون» من كل الحسابات التي تفرضها الحياة، بل وتفرضها مصالحها أحيانا. هكذا نجد في العديد من الرسائل المنقولة نوعا من محاولة «تصحيح» بعض المواقف أو «نبذها»، أو قول حقيقة كانت مخبوءة أو «رغبة» لا تتماشى مع ما ينتظره الأحياء. الشاعر «مالارميه» يطلب في أحد رسائله من ذويه «تدمير كل أوراقه»، ذلك أنه «لن يكون هناك أي ميراث أدبي» ،حسب قوله.

أما فولتير فيكتب بحس مفعم بالسخرية لأحد أصدقائه معربا عن فرحته أن الملك قد نقض أحد الأحكام ضد صديقه. نقرأ: «إن الذاهب نحو الموت ـ يقصد حالته ـ ينتعش عند معرفة هذا الخبر السعيد الكبير، ويقبّل السيد لالي – اسم صديقه-. إنه يموت سعيدا برؤية أن الملك مدافع عن العدالة».

وقبل وفاته قبل أيام قليلة بحادث عندما ارتطمت سيارته بشجرة على قارعة الطريق، كتب البير كامو في إحدى رسائله أن «أحد رجال الشرطة أوقفني قبل عدة أيام، وطلب مني أن أخبره ماذا أكتب حيث كانت مهنتي مدوّنة على أوراقي الشخصية، فقلت له بكل بساطة أنني أكتب الروايات. فاستطرد قائلا: هل هي روايات نصفها بماء الزهر والنصف الآخر ذات طابع بوليسي؟».أجبته أنها مكتوبة نصفها بماء الزهر ونصفها الآخر له طابع بوليسي».

وفرانز كافكا، صاحب الأعمال التي ليس أقلها شهرة «المسخ» و«الإنسان الصرصار»، لم يستخدم أبدا في رسائله المعروضة في الكتاب لفظة «الموت». ولكنه استعاض عنها بـ«الرحيل». وقد أراد بذلك، كما تكتب اغاتا كولومبييه هوشبرغ، أن يلخص بكلمة واحدة كل العمق الذي يحمله مفهوم «الرحيل». لكن رحيله لم يكن مع ذلك هو النهاية، ولكن بداية «خلوده».

ونقرأ في مقدمة «رسائل الوداع» أنه «في الكثير من الحالات تكتسي الرسائل الأخيرة التي يكتبها أصحابها لحظة الإحساس باكتمال حياتهم أهمية استثنائية فيما بعد». إنها تكون غالبا بمثابة «وصايا» تلخص حقيقة أفكار كاتبيها بعيدا عن الاهتمام بالصورة التي سيحفظها الخلف عنهم.

هكذا كانت الرسالتان الأخيرتان لسيلين وبروست موجهتين إلى ناشرهما «غاستون غاليمار»، صاحب دار نشر غاليمار الشهيرة. كتب بروست شاكيا هموم صحته، مثلما كان الأمر بالنسبة لجميع مراسلاته الأخيرة.

ومطالبا، كعادته أيضا، برغبته في تصحيح بعض الجمل وبما تيسر من المال. كانت رسالته الأخيرة لناشره مؤرخة بليلة 30-31 اكتوبر- تشرين الأول 1922. توفي بتاريخ 18 نوفمبرـــ تشرين الثاني من نفس السنة.

أما سيلين فقد كتب في آخر رسائله لناشره بتاريخ 30 يونيو-حزيران 1961 بلهجة وعيده الشهيرة: «أعتقد أنه لا يزال هناك متسع من الوقت لتوقيع عقد جديد ودفع مبلغ 1500 فرنك جديد بدلا من 1000، وإلا فإنني سأقوم باستئجار جرار زراعي وأهدم مقر المجلة الفرنسية الجديدة – كانت تصدرها دار نشر غاليمار- وأحطّم كل شيء.

وعلى كل واحد أن يخبر الآخرين بذلك». توفي سيلين في اليوم التالي على كتابة تلك الرسالة. وتعلق اغاتا كولومبييه على هذا بالقول أن غاستون غاليمار واجه طيلة حياته أولئك المؤلفين العجيبين التي تدفع موهبتهم الكبيرة إلى التغاضي عن أخطائهم.

140 رسالة كتبها أصحابها قبل عدة أيام، وأحيانا قبل عدة ساعات من رحيلهم. لقد وجد أولئك الرجال والنساء الشجاعة للكتابة حتى النهاية كي يعبروا عن عواطف تكشف عن عمق انفعالاتهم أمام «الصمت» القادم. يكتب مارسيل بروست في إحدى رسائله: «الآن لا تنتظروا مني سوى الصمت».

المؤلفة في سطور

اغاتا كولومبييه هوشبرغ،روائية وكاتبة وناقدة أدبية فرنسية لها العديد من الروايات أخرها «ديابوراما» .ومن كتبها «رسائل إلى أبي». لها العديد من المساهمات في مختلف المجلات والدوريات الأدبية المختصة.

الحياة والموت

تعتبر اغاتا كولومبييه هوشبرغ أن «رسائل الوداع» فيها دائما نفس المفارقة الكامنة في كون أنها من جهة تعبّر عما يختلج داخل النفوس من مشاعر دفينة ومغرقة في خصوصيتها ، ولكنها معروضة لأنظار الآخرين، من جهة أخرى. وترى المؤلفة في جملة قالتها الأديبة جورج صاند في رسالة كانت قد وجهتها إلى أحد أفراد عائلتها التعبير الأكثر دلالة على لحظة «رسائل الوداع». تقول الجملة: «أعتقد أن كل شيء جيد، الحياة والموت»، كان ذلك عام 1876.

رسائل الوداع

تأليف: اغاتا كولومبييه هوشبرغ

الناشر: هوغو وشركاؤه- باريس- 2008

الصفحات: 159 صفحة من القطع الصغير

Lettres d’adieu

Agathe Colombier Hochberg

Hugo et Compagnie- Paris - 2008

159 pp.