«تشوش العالم»، عنوان كتاب جديد تعرفه رفوف المكتبة الفرنسية خلال الأيام الأولى من شهر مارس 2009 للكاتب والأديب المعروف أمين معلوف.

العنوان الفرعي لهذا الكتاب « عندما تتهالك حضاراتنا« له دلالته الواضحة على مضمونه. والملاحظة الجوهرية التي تشكل في الواقع إحدى الأفكار الأساسية التي يؤكد عليها أمين معلوف في هذا الكتاب تكمن في التأكيد على وجود حالة من «الانحسار» الذي تعاني منه الحضارتين اللتين ينتمي إليهما، أي الحضارة العربية-الإسلامية والحضارة الغربية. هاتان الحضارتان تعرفان برأيه عملية « تبذير« للذكاء الجماعي للبشر وحالة من التشوّش.

ومن مظاهر هذا التشوش وجود نوع من «قصر النظر» و«ضيق الأفق» مما يجعل الرؤية محدودة لدى الغربيين والشرقيين، الماركسيين واللبراليين.

وهذا يترافق مع اهتزاز المنظومات الأخلاقية عامة. ويحدد المؤلف تاريخ 11 سبتمبر 2001 كنقطة ـ منعطف بحيث «لم يبق أي تشوش وغياب الضوابط محدودا بمجال محلّي حصريا«. إنه لا يتردد أيضا في تحميل المسؤولية على الجميع ف« إذا كان البشر تعساء فإنهم هم الذين يتحملون الخطأ«.

ويحدد أمين معلوف إحدى الآفات التي يعاني منها العالم العربي-الإسلامي في سيادة نوع من الذهنية «المتزمتة» التي لم تعد تعترف فعليا بالآخر، مهما كان لونه: عقائديا أو اثنيا أو قوميا. وبنتيجة مثل هذا الواقع تقلّصت قدرة الفرد في التعبير عن نفسه وفي ممارسة حقوقه الطبيعية في التفكير والاعتقاد واللغة بكل حرية، بل وبضمانة القانون. ولا يتردد المؤلف في استخدام صفات مثل «عنصرية» و« قمع». هذا دون أن يثير ذلك أية ردود فعل احتجاجية أو غاضبة إلا من قبل فئة قليلة جدا من أولئك الذين يطلق عليهم صفة «المتنورين».

ويعود أمين معلوف إلى الحديث عن «الهويات القاتلة» التي وجدت تعبيرها في سيادة «نزعات انكفائية جامدة» على الذات تحت مسميات متنوعة. وذلك في عصر تسود فيه بنفس الوقت العولمة. وبهذا المعنى يتم القول أن إحدى النتائج السلبية جدا للعولمة هي أنها «عولمت نزعات الانتماء الطائفي مما خلق نوعا من « القبلية الكونية».

وإذا كان أمين معلوف يؤكد على أن العالم العربي ـ الإسلامي يعاني من أزمة خطيرة لا يبدو الخروج منها واضحا ولا سهلا، فإنه يوجه انتقادات عنيفة للعالم الغربي. ويمكن النقد الأساسي الأول في القول أن هذا الغرب ينادي بمجموعة من القيم ويطلق عليها صفة الكونية «يونيفرسال» وليس أقلّها شأنا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. لكن هذا الغرب يستخدم هذه القيم كأسلحة حقيقية يحارب فيها خصومه، بل وقد يلجأ أحيانا إلى استخدام القوة ضد هؤلاء الخصوم من أجل فرض قيمه.

المشكلة، كما يحددها المؤلف، ليست في القيم التي يرفعها الغرب نفسها، ولكن في «الانتقائية» الكبرى التي يتعامل فيها. إذ تتوقف المطالبة فيها إذا كان الأمر يخص حلفاءه أو أصدقاءه.

بالتالي يفقد هذا الغرب الكثير من مصداقيته «الأخلاقية». وإذا كانت هذه المصداقية تتناقص أكثر فأكثر لدى الغرب، فإنه لا يوجد منها الكثير لدى الآخرين، كما يشير المؤلف.

وتكمن الإشكالية الجوهرية التي يحاول أمين معلوف شرح معطياتها وطرح التساؤلات من مستقبلها في القول أن العالم كان قد شهد مع انهيار جدار برلين وسقوط الشيوعية تغيّرا جذريا في المشهد الدولي الذي انتقل من ثنائية الاستقطاب بين معسكرين، رأسمالي واشتراكي، إلى أحادية الهيمنة الأميركية كممثلة للرأسمالية «المنتصرة». ومنذ ذلك التحول «جرى الانتقال من عالم كانت الشقاقات فيه على خلفية إيديولوجية وحيث لم تكن النقاشات تتوقف أبدا، إلى عالم غدت الشقاقات فيه تقوم بشكل أساسي على خلفية الانتماءات الخاصة بالهوية وحيث ليس هناك سوى مجال صغير جدا للنقاشات»، كما نقرأ.

أما نتيجة المسار الذي يعرفه العالم اليوم فيتم تحديده بالقول: « أصبح الجميع يعلنون انتماءاتهم ـ على أساس هويتهم ـ

في مواجهة الآخرين ويعبئون أنصارهم ويرسمون خصومهم بصورة الشياطين. باختصار لم يعد للخصوم اليوم سوى القليل من المرجعيات المشتركة». ولا يتردد المؤلف في القول أن منطقة الشرق الأوسط هي أحد أكثر مناطق العالم معاناة من مثل هذا المنطق. وهذا ما يؤرخ له على مدى العقود الخمسة المنصرمة.

إن الجملة التالية يمكنها أن تلخص جيدا رسالة هذا الكتاب، إذ نقرأ: «ما أُعيبه على العالم العربي هو فاقة وعيه الأخلاقي، وما أعيبه على الغرب هو اندفاعه من أجل تحويل وعيه الأخلاقي إلى أداة للسيطرة».

الكتاب: تشوش العالم

تأليف: أمين معلوف

الناشر: غراسيه

باريس 2009

الصفحات: 314 صفحة

القطع : المتوسط