«صحافيون تحت الطلب» عنوان كتاب صدر في فرنسا قبل عدة أسابيع للصحافي الفرنسي التلفزيوني السابق المعروف برونو مازور. وترجمة العنوان إلى اللغة العربية، كما نقدّمها، هي مخففة في الواقع لما يمكن أن يعني أكثر تبعية وانصياعا. بكل الحالات القصد واضح ويحدد مؤلفه عنوانا فرعيا لعمله هو: «من جورج بومبيدو إلى نيكولا ساركوزي، يوميات علاقات خطيرة بين وسائل الإعلام وعالم السياسة».

إن المؤلف يقدّم كتابه لقرائه بالأسئلة التالية: «هل ينبغي النباح عند رؤية أي شيء غير طبيعي ولو أزعج ذلك راحة الجيران؟ وهل ينبغي قبول السلسلة المربوطة في العنق؟ وإذا كان ينبغي قبولها فما هو طولها المناسب؟». ثم يضيف: «هذه الأسئلة جالت في ذهني منذ أن تسلّمت بطاقتي الصحافية للمرة الأولى عام 1973. ولذلك أردت من خلال هذا الكتاب عرض تجربتي المتواضعة. نعم راق لي أحيانا ـ غالبا جدا؟ ـ المداعبات والإطراء. كلاّ لم أردد ـ إلا نادرا في نهاية المطاف ـ ما يُطلب مني. ويبدو أنني تعبت في نهاية المطاف من النباح».

يأخذ هذا الكتاب صيغة اليوميات التي يعود لها المؤلف إلى الكثير من الأحداث التي شهدتها تجربته المهنة في عالم الصحافة والإعلام منذ عام 1973 وحتى عام 1997.

وهو يقدّم هذه اليوميات تحديدا من زاوية العلاقة بين عالم السياسة وعالم الإعلام في بلد مثل فرنسا. ولا يتردد في الحديث بكثير من الصراحة «دون أية رقابة» عن أوضاع عاشها ونقاشات وأسرار لم تكن مكرّسة للنشر أصلا. كما أنه لا يتردد في وصف ما تخلل تلك التجربة من «معارك» و«مشاعر» و«خيانات» ومحاولات قسر مارستها السلطة أحيانا على عالم الصحافة لفرض آرائها. المؤلف نفسه لخّص هدفه من هذا الكتاب في وصف العلاقات بين الصحافيين ورجال السياسة في ظل الجمهورية الفرنسية الخامسة.

كان المعروف عن برونو مازو «صراحته» الكبيرة. ولا يتردد اليوم في القول انه من الأهمية الكبيرة أن تتوقف الممارسات التي عرفتها مهنته كإعلامي حيث كان يكفي أن يقول المرء ما يجول في خاطره من أفكار قد لا تروق لأصحاب القرار السياسي كي تتم تنحيته ووضعه جانبا. ويجد المؤلف العون في مشروع هذا الكتاب لدى اثنين من زملائه الأجانب هما دانا راتير من ال«سي.بي.اس» صاحب المقولة الشهيرة «الصحافيون مصنوعون من أجل النباح»، والصحافي الآخر «جون هامفريس» والذي ينقل عنه قوله: «إن الصلات التي تربط رجل سياسة وصحافي هي من نفس طبيعة تلك التي تقارب بين كلب وعمود كهرباء»... كلاهما مربوط بالآخر.

يبقى الجانب الأهم في هذا الكتاب هو التعرّض لما يسميه ب«العلاقات الخطيرة» بين عالمي السياسة والإعلام خلال فترة زمنية تغطّي رئاسيات جورج بومبيدو الذي تولى رئاسة الجمهورية الفرنسية بعد الجنرال ديغول ثم فاليري جسكار ديستان ففرانسوا ميتيران فجاك شيراك وأخيرا نيكولا ساركوزي.

ومن خلال البحث في هذه العلاقة يقدّم المؤلف الكثير من المعلومات و«الخبايا» و«الدسائس الصغيرة... والكبيرة» التي ترافق عمليات تحرير النشرات الإخبارية. ومثل هذه الأجواء المشوشة تتعاظم في الفترات الانتخابية بشكل خاص. ففي هذه الفترات «يخشى البعض أن يجرفهم العهد القادم بينما يأمل آخرون بترقيات قد تلوح في الأفق».

هكذا يعود برونو مازور مثلا إلى تاريخ 11 مايو من عام 1981، أي إلى غداة انتخاب فرانسوا ميتيران رئيسا للجمهورية الفرنسية. في ذلك اليوم «جرت المبالغة في الحديث عن ميتيران في النشرة الإخبارية المسائية الرئيسية عند الساعة 20.

بعد عدة أيام قال لي جان ماري كافادا، رئيس قسم الأخبار، وشوشة: انتبه إنك تبالغ في الحديث عن الرئيس. وكانت ترجمة ذلك أنه أراد قول: لا تقع في خطأ من سبقوك والمبالغة في تبجيل الرئيس».

ويشير برونو مازور إلى المرّات العديدة التي أخبره فيها أحد المسؤولين في آلة السلطة أن هذا المدير أو ذلك من العاملين في التلفزيون أو الإذاعة سوف «يطير» قريبا، ذلك أمام ذهوله وهو الذي «كان يعتقد باستقلالية القنوات التلفزيونية عن السلطة»، كما يكتب.

وبتاريخ 13 سبتمبر 1999 كان رئيس وزراء فرنسا آنذاك الاشتراكي ليونيل جوسبان في لقاء تلفزيوني على القناة الثانية مع الصحافي «كلود سيريون» الذي أحرجه بالأسئلة ودفعه إلى القول: «لا تستطيع الدولة أن تفعل كل شيء». وجاء الرد فيما بعد على لسان المسؤول الإعلامي لرئيس الوزراء بالقول لسيريون: «طالما أنت من يقدّم النشرة الإخبارية المسائية فجوسبان لن يشارك في أي برنامج بالقناة الثانية». ثم جرى فصل الصحافي المعني من التلفزيون قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2002 التي كان جوسبان مرشحا فيها.

ومن اليوميات القريبة العهد التي يذكرها برونو مازور تلك التي تعود لتاريخ 6 مايو 2007، أي يوم انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا للجمهورية الفرنسية. في ذلك اليوم وأثناء أمسية انتخابية على القناة التلفزيونية الأولى كان رئيس وزراء فرنسا الأسبق لوران فابيوس بصدد التعليق على انتخاب ساركوزي عندما جرى مباشرة قطع حديثه دون أية مقدمات لتقديم «التحليل السياسي للمطرب الفرنسي المعروف جوني هاليداي»، صديق الرئيس الجديد، الذي كان يتحدث «مباشرة» من مقهى «الفوكيت» على جادة الشانزلزيه.

وكتاب عن مهنة الصحافة في فرنسا إجمالا، وخاصة عن طبيعة العلاقات القائمة بين الساسة والصحافيين.

الكتاب: صحافيون تحت الطلب

تأليف: برونو مازور

الناشر: هوغو وشركاه باريس 2009

الصفحات: 360 صفحة

القطع: المتوسط

Journalistes à la niche ?

Bruno Masure

Hugo et Compagnie

Paris 2009

360.p