رغم غنى الريف إنسانياً وتطور العلاقات فيه اجتماعياً، يظل الريف بحاجة إلى تنمية ثقافية تنظم ما هو عفوي وفطري لتحقق معادلة المعرفة حاجة بشرية عليا، ومعظم الأرياف العربية تضيق مساحاتها الجغرافية زراعياً لتتحول إلى غابات من الأسمنت عشوائية الشكل نافرة اللون، تزيدها الإدارات المرتبكة بعداً عن بيئتها، فما نفع الثقافة إذا لم تنتصر للريف ولم تعطه حقه من الضوء!

ذات ريف انطلقت برفقة الصديق الشاعر قاسم حداد إلى مدينة «الثورة» التي قامت على أنقاض قرية «الطبقة» على ضفاف الفرات، حيث كانت ستقام أمسية شعرية مشتركة في ظل مهرجان الشعر العربي الخامس في محافظة الرقة شمال شرق سوريا، كنا نشعر بالسعادة لأننا ذاهبان إلى بقعة جغرافية عطشى لهذه النوعية من الأنشطة وخاصة ان جمهوراً واسعاً من الشباب قد احتل مقاعده مبكراً في الصالة.

الأمسية التي أُعلن عن وقتها في السابعة لم تبدأ قبل الثامنة والنصف لأن موظفاً رسمياً كبيراً سيحضرها، ولما طال انتظار الموظف الرسمي شعر الجمهور بالملل وبدأ بالانسحاب وكدنا أن نفعل مثله لولا الإعلان عن ظهور موظف رسمي آخر أقل درجة وظيفة، حيث سيرعى الأمسية!، ووسط دهشة الشعراء والجمهور كان الرجل بسيطاً لا يواكبه الحراس ولا تحيط به حاشية، جلس في مقعد جانبي مصغياً ومصفقاً ومستحسناً.

في نهاية الأمسية سألني قاسم حداد عن مغزى حضور الرجل هذا النشاط الثقافي وليس السياسي، لم أملك جواباً سوى التخمين ان جميع أنشطة الريف ترعاها جهة محلية لأن جهة رسمية نظمتها، ولم يكن مقنعاً ان موظفي الحكومة من محبي الشعر أو الداعمين له، غير أن العاملين في الشأن الثقافي في تلك البلدة لا يملكون سوى مباركة موظف كبير للانطلاق في عملهم، وكثيراً ما يكون موظف الثقافة في الأرياف حريصاً على نيل رضا رؤسائه، ليضمن استمرار عمله!

في الريف طاقة إيجابية كبيرة من محبي الثقافة، ومن أبرز مهام وزارات الثقافة العربية العمل على تنمية الريف معرفياً وتثقيفه عبر إرسال القوافل الثقافية إليه، ضمن فكرة الذهاب بالشعر والمسرح وغيرهما من الفنون إلى الجمهور حيث هو، وليس استقدام جمهور الأرياف إلى المدن، ولكي يتحقق ذلك يحتاج الأمر إلى موظفين أكفاء شجعان هدفهم الثقافة وليس إرضاء مديرين يتأخرون عن القيام بواجباتهم.

hussain@albayan.ae