كتب الأديب الفرنسي المولود في فرنسا سنة 1850 غي دي موباسان حوالي ثلاثمائة نص أدبي خلال حياته القصيرة ـ 42 ـ سنة. منها ست روايات وديوان شعر واحد والباقي جلّه قصص قصيرة وهو ما امتاز به موباسان حتى سماه البعض بملك القصة لأنه أول من كتبها بشكلها الحديث ووصف ذلك أحد النقاد قائلا:« إن القصة القصيرة هي موباسان، وموباسان هو القصة القصيرة.
»ويقول الناقد زيد الشهيد عن القصة لدى موباسان:« أوجد للقصة صوتا يخصها بمعزل عن أصوات الرواية».وبداية أحداث روايته «سيرة حياة» تبدأ في سنة 1819 أي قبل مولده حين يقرر البارون سيمون جاك دي فونبيلا والمتحمس للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ادخال ابنته الوحيدة جانيت أو جان كما يحلو له مناداتها إلى دير القلب الأقدس ولها من العمر 12 سنة فقط ليجعلها سجينة هناك بقساوة، محصّنة، مجهولة وجاهلة بالشؤون الإنسانية، لكي تعود إليه في السابعة عشرة طاهرة.وحين خرجت من الدير كانت نضرة، ضاجة بنسغ الحياة، متلهفة للسعادة، مستعدة لكل اللذائذ، بكل تلك المصادفات العذبة التي طافت فيها روحها خلال كسل الأيام وبطء الليالي ووحدة الآمال.
خرجت بجسد ارستقراطية، طويلة وناضجة، متماوجة القامة بصوت صافٍ وعينين زرقاوتين وبضحكة تنثر الفرح حواليها. ستمضي الصيف، الآن، في ملكهم في غيضة الحور، قصر العائلة القديم، المزروع على شاطئ صخري قرب إيبور.
كانت تعد نفسها بفرح لا متناهٍ بحياة حرة على حدود الموج. بينما كان القصر الريفي يُرمم ويُعد لزواجها ولكي يصبح رحبا لإيواء ذرية.في القصر الرحيب المُعد جيدا أحست جان بالسعادة وغرق قلبها في فرحة جنونية أمام رونق الأشياء وراحت تحلم بالحب، الحب الذي يملأها وتتلهف لملاقاته بتزايد منذ زمن. هي الآن حرة في أن تحب، ليس عليها إلا أن تلتقي به. كيف سيكون؟..
هي لا تعرف بالتمام، ولم تكن حتى لتتساءل. ما تعرفه أنها ستعبده بكل روحها، وأنه سيحبها حتما بكل قوته. سوف يذهبان يدا بيد مستمعَين إلى نبضات قلبيهما، وهذا يتتابع إلى ما لا نهاية، وفجأة، تراءى لها أنها تشعر به هنا، قدّامها، واعترتها موجة اختلاج حسية، من أخمص قدميها إلى رأسها، شدت يديها على صدرها بحركة لا واعية كما لو أنها تضم حلمها، فقد صارت لها حياة لطيفة وحرة، وتحل محل روزالي أحيانا لمساعدة أمها البارونة في نزهة.كل صباها في الدير كان منصرفا إلى المستقبل منهمكا في الاحداث، وما كادت تخرج من دائرة الحيطان القاسية حيث تفتحت رؤاها باحثة عن الحب حتى التقت به، وفي أعماقها تتساءل هل يدوم ذلك؟
إنه النبيل الفيكونت جوليان دي لامار الذي ثبّت أقدامه كخليفة لأبيه المتوفى في العام الفائت بعد أن صفّى التركة وسدد الديون واكتفى في واحدة من مزارع أبيه الثلاث ولأنه صاحب مزاج مقتصد ويعيش ببساطة فقد كوّن لنفسه اسما ومكانة ويمكنه الزواج دون اقتراض. تعرّفت عليه الأسرة عن طريق الخوري الذي مدحه بأنه شاب لطيف ومنظم وهادئ. وقد عرفته البارونة لأن أباه كان صديقا لأبيها، خاصة وأن النبلاء في هذه المنطقة قليلون يعرف الواحد منهم الآخر.
ولأنها نقية وطاهرة فقد حدّثها والدها: سأقوم بدور صعب كان على أمّك أن تقوم به. ولكن بما أنها ترفض، يجب أن أحلّ مكانها. أجهل ما تعرفين من أمور الوجود. ثمة أسرار نُخفيها بعناية عن الأولاد، خاصة الفتيات، الفتيات اللواتي يجب أن يبقين طاهرات بلا أي لوم حتى ساعة نضعهن بين يدي الرجل، وهو عليه أن يزيل هذا الحجاب المرمي على سر الحياة الجميل». وكان لا بد لها أن تتعرف على الكشف السحري والذي هو سر الحب الكبير.
أحبته وتزوجته وحين عادا من رحلة شهر العسل بعد حلاوة واقع الأيام الأولى انقلب الواقع اليومي يقفل الأبواب بوجه الآمال المتناهية، فهو هناك في كورسيكا استغلها واستولى على نقودها التي منحتها إياها أمّها البارونة حتى أنها لم تتمكن من شراء الهدايا. وها هي تشعر بالخيبة والحزن.
حتى أنها لم تستطع الجواب على سؤال أبيها إلا دامعة العين حين سألها: هل أنت سعيدة لعودتك إلى بلدك، إلى بيتك، قرب الشيخين؟ وبقلب ممزق قارنت بين عودتها من الدير وعودتها من شهر العسل!
فها الوجه الحقيقي لجوليان يتكّشف، وكان عليها أن تصبّر نفسها على محوه لأي أثر للحب الذي حلمت به طويلا، ومن ثم تسلطه وتفرده بإدارة الثروة والبيت وإزعاجه للمزارعين البسطاء وبُخله بحجة اختصار النفقات حتى شمل ذلك التدفئة ومظهره وأناقته، جامعا النقود بأي طريقة وهو يردد:« السواقي الصغيرة تؤلف النهر الكبير.» وبعد كل ذلك اكتشاف خيانته لها مع الخادمة روزالي التي انجبت منه طفلا سيكون أخا لطفلها الذي ينمو في أحشائها منه. فزعت وركضت نحو الشاطئ وحين استعانت بوالديها والخوري على مصيبتها قال الخوري:« كلّهن في البلد هكذا، خراب! لا نملك شيئا.. ويلزم قليل من التسامح لضعف الطبيعة البشرية».
واضطرت لنوع من المهادنة وقليل من التسامح، وحين جاء ابنها بول باكرا جدا ما كان له شعر ولا أظافر ولكن غمرتها فرحة لا توصف وصار عندها ما تحب!وتكررت الخيانة، هذه المرة مع الجارة الكونتيسة جيلبرت وثارت ثائرة الأب تولبياك ـ الذي حلّ محل الخوري ـ لهذه الخيانة التي أخذت شكلا فاضحا حتى وصلت أنباؤها إلى زوج جيلبرت، بعد أن كان الأب تولبياك يلعن بإشارات واضحة القصر المسكون بروح الشر.
الزوج المخدوع والثائر دحرج البيت النقال في يوم عاصف ليهوي بالخائنين ميتين في الوادي.بقيت جان وحيدة بعد رحيل أفراد عائلتها وآخرهم والدها البارون وبقى أملها في وحيدها بيار غير أنه من مدرسته البعيدة قرر الابتعاد عنها أيضا وصار يعيش مع عشيقته تاركا أمّه تجتر آلامها مع وحدتها، وإذا ما وصلت منه رسالة فلكي يطلب منها نقودا بعد أن أدمن القمار والمشاريع الفاشلة حتى أنه ترك أمّه على حافة الإفلاس والانهيار. وحين انهارت لم تجد أحدا يواسيها غير روزالي خادمتها وغريمتها السابقة.
جان بمساعدة روزالي صفتا التركة وباعتا معظم أملاك الأسرة بما فيها غيضة الحور وعاشتا على القليل، وأبقتا الباب مواربا لولد عاق يعيش في جلباب أبيه قد يعود يوما من أجل وجبة طعام أو سرير يرقد عليه متعبا.
الكتاب : سيرة حياة
المؤلف: غي دي موباسان
ترجمة : ايلي مارون خليل
الناشر : منشورات عويداتبيروت 1982
الصفحات: 350 صفحة
القطع: الصغير
كريم السماوي

