«ترميم المنظومة» هو كتاب عن تاريخ الشعبوية «نزعة العزف على المشاعر الشعبية»، بنسختيها القديمة والجديدة ولكن ليس بمغزاها السلبي السائد وما يمكن الدلالة عليه بالنهج الشعبي. وهو أيضا بنفس الوقت ثمرة التجربة السياسية لمؤلفه الأستاذ الجامعي «أدريان كوزمينسكي» واهتماماته الخاصة بالمحافظة على البيئة.

ويحدد المؤلف منذ البداية القول أن «الشعبوية» تتميز عن الحركات السياسية الأخرى من حيث تركيزها على مسألتين غائبتين تماما اليوم من المنظومات الحديثة للاقتصاد السياسي. المسألة الأولى هي وجود ديمقراطية حقيقية قائمة على مجالس يتم تمثيل جميع المواطنين فيها. والمسألة الأخرى هي مشاركة أكثر للجماهير المحرومة عبر عملية إعادة النظر بتوزيع رأس المال الاقتصادي.إن المؤلف يعود في تحليلاته إلى قرنين ونصف من تاريخ الديمقراطية في المجتمع الأميركي. وهو يرى في الديمقراطية الأميركية خللا كبيرا منذ البدايات حيث جرى باسمها تركيز الثروات بين أيدي شريحة ضئيلة من أصحاب الامتيازات هذا على الصعيد الاقتصادي. أما على الصعيد السياسي فقد تمت ترجمة الديمقراطية «السائدة» عير عمليات انتخابية يلجأ فيها الأميركيون إلى صناديق الاقتراع، ولكن المسألة تجري على خلفية مصالح خاصة وليس على خلفية «المصلحة العامة» العليا.

وهنا يطرح المؤلف كحل لوضع «الانسداد» القائم تبنّي النهج «الشعبوي»، وذلك للوصول إلى «بديل» عملي يحقق «الخروج» من المأزق، هذا خاصة أنه لا تبدو في الأفق حلول كثيرة.

وبهذا المعنى يرى أدريان كوزينسكي أن الشعبوية هي «السبيل الثالث» الحقيقي في الميدان السياسي، على اعتبار أنها «طريقا وسطا بين أشكال التطرف التي تمثلها الفوضى وبين نزعة التسلط الجماعي». ويقصد المؤلف في «التسلّط الجماعي» الآليات التي تسمح تاريخيا في الولايات المتحدة لنخبة ضئيلة في الاستئثار بمختلف المكاسب على حساب الأغلبية الساحقة.

ويشرح المؤلف أن «النهج الشعبي» يمثل تقليدا قديما وعريقا في تقاليد الممارسة والفكر في أميركا منذ بدايات تأسيسها. وذلك عبر انتشار عملية التوزيع الكبير للملكية الخاصة وعبر اتخاذ القرارات الديمقراطية عبر المداولات العامة حولها. وكانت مثل تلك الممارسة «الشعبوية» قد جلبت الازدهار المادي من جهة، والتجديد الثقافي، من جهة أخرى.

ومن هاتين الزاويتين بالتحديد الخاصتين بالملكية الخاصة وبآليات اتخاذ القرارات «ديمقراطيا» يتم اعتبار أن الشعبوية تتعارض مع النظام السياسي والاقتصادي السائد اليوم في الولايات المتحدة وفي البلدان الغربية الأخرى.

ويحدد المؤلف ركيزتين أساسيتين في ذهن الأميركيين عن «سر نجاحهم» وهما «الحرية» و«الرأسمالية». ولا يتردد أي أميركي في القول أن انتصار الولايات المتحدة على الإمبراطورية السوفييتية في فترة الحرب الباردة يعود تحديدا إلى أن «النظام الرأسمالي هو صاحب الأرجحية في الأسواق الحرّة». ثم إن أميركا، كما يتم تقديمها، هي الأرض التي تسمح للفرد بالتقدم والازدهار وبالتفوّق إذا كان يملك مقومات ذلك.

الأمثلة المقدّمة كثيرة وليس أقلّها شهرة «بيل غيتس» صاحب مملكة صناعة الحواسيب وبرامجها الذي بدأ من أسفل درجات السلم الاجتماعي كي يصل إلى قمة هرم أصحاب الثروات على صعيد العالم كله.

الرأسمالية إذن، كما يراها الأميركيون، هي «معقل الفرد الأكثر تفوقا المسلّح بسيف الرأسمالية»، وهي التي انتصر بفضلها على جميع «المبادئ الأدنى» التي عرفتها البشرية حتى الآن. ثم إن أميركا «مرادفة» للرأسمالية.

وكان الرئيس الأميركي الأسبق رينالد ريغان صاحب «الثورة المحافظة» الجديدة قد أدخل مفهوم «حق الإنسان في أن يصبح ثريا» من أجل «متابعة مسيرة السعادة».

مؤلف هذا الكتاب يرى بالمقابل أن «إعلان الاستقلال» و«الدستور الأميركي» ليسا بيانين رأسماليين وإنما هما وثيقتان تعكسان «الحالة السياسية الطبيعية والعفوية للثقافات الخاصة بأبناء البلاد الأصليين».

أمر ما يسميه ب«مجتمعات القرابة». وبالتالي يرى أن المستوطنين الأميركيين لم يكوّنوا مفاهيمهم العملية حول الديمقراطية عبر قراءة النصوص اليونانية القديمة الخاص بآثينا وغيرها ولا التعاليم الرومانية ولا حتى الفيلسوف الانكليزي الشهير «جون لوك» الذي عاش في القرن السادس عشر، ولا أية نصوص أخرى «تنويرية».

ولكن عبر ملاحظتهم المباشرة لهنود أميركا، سكان البلاد الأصليين ولعلاقاتهم. هذه العلاقات «رفضها» المستوطنون ولذلك حاولوا إبادة تلك «الثقافات القبلية».

الصورة التي يرسمها المؤلف للنظام الأميركي السائد ومنذ مرتكزاته الأساسية تقول بعدم تحقيق أية دولة ديمقراطية حقيقية أو حرية فردية خلاّقة بينما أن «البرابرة تغدو أسباب الحقد عليهم مفهومة.

والوجه الآخر لمثل هذه الآراء هو ممارسة نوع من «قمع السيادة الشعبية الحقيقية» مع كل ما يترتب على هذا من اعتداءات بل وعمليات إبادة وأشكال شرور اجتماعية أخرى تطال سلسلة طويلة يقارب بعضها الحالات المرضية الحقيقية.

ويذكر المؤلف أن جورج واشنطن قام بقمع «الانتفاضة الشعبية» التي ترأسها المدعو «دانييل شايس». ووجد مثل هذا القمع أصداءه في ممارسات كثيرة لاحقة. ولا يتردد المؤلف في القول بالمحصلة أنه قد حان الوقت للعودة إلى إحياء تلك «الديمقراطية الحقيقية». مع ذلك يبدي مخاوفه من أن مثل هذا الوقت قد «مضى»، أو تأخر كثيرا، لكن لا ينبغي فقدان الأمل. وهذه هي الرسالة الأخيرة لهذا الكتاب.

والشعار «الطوباوي» الذي يرفعه المؤلف تلخصه جيدا الجملة التالية الموجهة ضد أفكار الفيلسوف جون لوك «التي يراها في أصل الكثير من الشرور الاجتماعية، وجاء فيها «بالنسبة للوك، الملكية ينبغي العمل من أجل اكتسابها، وهي نتاج للعمل وليس حالة للطبيعة، أما بالنسبة للشعبويين فإن الملكية هي هدية حرّة من الطبيعة ورأس المال العادي الذي يمثل الانتقال المشترك للأرض لكل رجل وكل امرأة: التراب والهواء والماء التي لا يمكن العيش بدونها، وبالطبع لا يمكن العمل».