«دولة في الدولة» عنوان كتاب للصحافية صوفي كوانيار عن الماسونية في فرنسا. وتعبير أن الماسونيين يشكلون في فرنسا نوعا من «الدولة» يأتي مما تكشف عنه المؤلفة عبر الوثائق العديدة والمختلفة عن سلطة حقيقية لهم في آلية الدولة الفرنسية، وصولا إلى قمة السلطة في قصر الاليزيه حيث يتواجد عدد من الماسونيين من بينهم مستشار الرئيس «آلان بوبر» الذي كان المسؤول السابق لمحفل «الشرق الكبير» الماسوني في فرنسا.
ولا تتردد المؤلفة في القول أن الماسونيين لا يزالون يتمتعون بسلطة حقيقية في هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. بل ولا تتردد أيضا في التأكيد أن سلطتهم مرشحة للتعاظم في الفترة القادمة على المستويين السياسي والاقتصادي. ثم يتم التأكيد أن القطاعات التي ليس لهم فيها أي نفوذ هي نادرة.
نقرأ: «بينما تفقد الدولة أكثر فأكثر من سلطتها، ويتلاشى مفهوم المصالح العامة، يحتل الماسونيون، أو على الأقل بعضهم، مناصب الوسطاء والمتسهلين لتصريف الأمور بل وأصحاب القرار. وبالتدريج يعيدون تشكيل دولة داخل الدولة»، ومن هنا بالتحديد جاء عنوان الكتاب.
وبعد أن تنقل المؤلفة عن أحد أقرب أصدقاء نيكولا ساركوزي القدامى قوله عنه «وحتى لو أنه أراد أن يصبح ماسونيا، فما كان له أن يستطيع البقاء كذلك». ثم يضيف: «هل يمكنكم تصوّر أن يبقى لمدة سنة كاملة، وبإيقاع اجتماعين كل شهر، محافظا على الصمت المطبق بين مجموعة من البشر«؟ تتم الإشارة في هذا السياق على أن قاعدة المحافظة على الصمت تنطبق على جميع الأعضاء الجدد «باستثناء بعض الرؤساء الأفارقة الذين يتلقون تدريبا سريع الإيقاع».
بالمقابل تؤكد المؤلفة أن الرئيس نيكولا ساركوزي كان قد حضر العديد من اللقاءات في بلدة «نويي» التي كان رئيسا لبلديتها. وذلك خلال الفترة الأولى من رئاسة جاك شيراك، إذا كان قد دعم خصمه في الانتخابات الرئاسية ادوار بالادور. لكن ساركوزي حضر تلك اللقاءات ك«محاضر خارجي». وبقي باستمرار على صلات «طيبة» وعاملهم ك«مجموعة» مثل بقية المجموعات و«الطوائف» الأخرى.
وتحت عنوان: «توقيع وثلاث نقاط» تشير المؤلفة أنه في عام 1996، عندما كان نيكولا ساركوزي «مهمّشا» بعد تحالفه مع بالادور ضد جاك شيراك الذي أصبح رئيسا، و«لم يكن أحد يهتم بمصيره»، تحدث الكثير من زملائه المحامين ـ ساركوزي مارس مهنة المحاماة لسنوات- عن أنهم تلقوا رسائل مزيّلة بتوقيعه مع ثلاث نقاط. سرت الشائعات عندها في باريس وتحدث أكثر من محلل شهير عن «انتمائه الأكيد إلى محفل كبير».
مع مرور الزمن وعودة صعود ساركوزي وصولا في عام 2002 إلى منصب وزير الداخلية، استمر بتزييل رسائله بثلاث نقاط، وهذا ما تنقل المؤلفة بصدده تعليق «آلان بوير» المسؤول السابق لمحفل الشرق الكبير الماسوني في فرنسا والذي أصبح الأخصائي المسؤول عن الأمن والشرطة في قصر الاليزيه عندما أصبح ساركوزي رئيسا. وجاء في التعليق: «يوجد في مكتبي عدّة رسائل منه معلّقة على الجدار وليس فيها أية رسالتين تحملان التوقيع بنفس الطريقة».
وأضاف مؤكدا استغرابه من الأقاويل حول النقاط الثلاث: «هذا غباء خاصة أن الماسونيين يعرفون أن نيكولا ساركوزي ليس واحدا منهم، بينما أن الآخرين ليس لهم، بأفضل الأحوال، علاقة في الأمر».
وتميّز المؤلفة في هذا السياق بين «محفل الشرق الكبير الماسوني في فرنسا» و«المحفل الوطني الفرنسي الكبير»، مؤكدة أن جميع الماسونيين لا يعرفون بعضهم بالضرورة، خاصة بين المحفلين. لكن هذا لا يمنع واقع أنهما يعلنان سنويا على صعيدهما الداخلي أسماء الأشخاص الذين جرى حذفهم من العضوية بسبب سلوكهم كي «لا يقرعوا أبواب أحد المحافل الماسونية».
وبعد أن تقدّم المؤلفة عددا من الآراء المتباينة والمتضاربة أحيانا حول علاقة نيكولا ساركوزي بالماسونية، تنقل عن أحد المقرّبين منه قوله: «بالنسبة له يشكل الماسونيون شبكة بين شبكات أخرى. وعندما يكون المرء رئيسا من المستحسن أن يكون حوله أعضاء في الشبكة كي يستطيعوا فك الرسائل وتوجيهها أيضا».
وتشرح مؤلفة هذا الكتاب أن الرؤساء الفرنسيين الثلاثة قبل ساركوزي كان لدى كل منهم أحد «مسؤولي» الماسونية الفرنسية.
وليس معسكر اليمين الفرنسي له بعض العلاقات مع الماسونية، ولكن معسكر اليسار أيضا. وليس أقلهم شأنا «هنري ايمانويلي» الوزير السابق ورئيس الجمعية الوطنية السابق أيضا. وفرانسوا ريتسامن» المقرّب من سيغولين روايال، وجان لوك ميلينشين، السناتور ومؤسس حزب اليسار... وغيرهم. وبكل الأحوال لا يتحدث هؤلاء صراحة عن أي انتماء لهم إلى المحافل الماسونية.
الكتاب: دولة في الدولة
تأليف: صوفي كوانيار
الناشر: البان ميشيل باريس 2009
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
