«نظرة خاطفة من أعلى» لمؤلفه فلويد سكلوت، هو كتاب عن سيرة حياته ك«كاتب»، وهذا ما يدل عليه بصراحة العنوان الفرعي للكتاب القائل: «تكوّن حياة مؤلّف». وهو يشرح كيف أن ظروفا عديدة تضافرت أنتجتها مجموعة من الأحداث الخارجة عن إرادته جعلت منه «كاتبا».
وهو يؤكد على القول أن «الحساسية الفردية» هي التي تلعب الدور الرئيسي في الدفع نحو تجربة الكتابة، بينما هناك دور ثانوي لمختلف التأثيرات الاجتماعية والعائلية وللصداقات وللثقافة الشعبية المحيطة.ويحاول المؤلف أيضا أن يسبر غور المسائل الأساسية التي تساهم في صياغة «الذهن الخلاّق». ويبيّن كيف أنه منذ اللحظة التي يدخل فيها الإنسان المعني في مسار الكتابة تأخذ حياته صيغا جديدة في التعامل مع البشر ومع الأشياء.وعبر هذه الصيغ بالتحديد يحاول أن يعطي دلالات جديدة للتجربة الإنسانية، وذلك عبر الأدب. ونفهم عبر «المذكرات» التي يحتويها هذا الكتاب أن حياة كاتبها لم تكن مثل نهر هادئ تسير مياهه في المجرى الطبيعي الذي رسمته لها الطبيعة، بل إنها كانت حياة تخللتها أحداث مفاجئة لم تكن بالحسبان وغيّرت مسيرتها بعمق. وليس أقل تلك الأحداث أهمية هو كشفه منذ مقدمة الكتاب أنه أصيب عام 1988 عندما كان عمره واحد وأربعون سنة ب«فيروس استهدف دماغه وخرّب جهازه العصبي».
كانت تلك الإصابة بداية فترة عصيبة من حياته، وأكثر من ذلك فترة تساؤل حقيقي حول المستقبل، بل وحول معاني وجوده نفسها.
كانت هناك باختصار الكثير من الأسئلة «الفلسفية» في فترة محاولة استرداد ما خرّبه ذلك الفيروس. وكانت أيضا فترة لم يكتب فيها حرفا واحدا إذ أضاع القدرة على ذلك. ولم يستطع استرجاع دلالات بعض الصور والجمل المتفرقة.
وبعد استرداد قدراته على الكتابة كرّس ثلاثة من أعماله للحديث عن ذكريات مرضه هي: «نهاية الأحلام» و«في ظل الذاكرة» و«عالم خفيف الوزن».
في هذا الكتاب يعود «فلويد سكلوت» إلى عالم الذكريات، لكنه لا يتوقف عن فترة ما بعد عام 1988 وإصابة دماغه بذلك «الفيروس اللعين»، لكنه يذهب أبعد في مسيرة حياته وصولا إلى سنوات الطفولة الأولى. إنه ينطلق في كتاب «الذكريات» الجديد هذا من تلك الفترة وصولا إلى الفترة التي أصبح فيها شابا بالغا.
ما يؤكده أن مهمّة جمع تلك الذكريات البعيدة والمتفرقة لم تكن سهلة أبدا، خاصة أنه «الشخص الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة» من بين جميع أفراد أسرته. وبالتالي ليس هناك من يذكّره بأحداث وأشخاص «غطّى ذكرياتهم غبار الزمن». وأمام نوع من العجز عن «استنطاق» تلك الذكريات البعيدة، يقدّك سكلوت مجموعة من الدراسات التي «يؤرخ» فيها للظروف والوقائع التي صاغت منه «كاتبا».
إنه يعود إلى ذكريات «صوت الماضي» ويؤكد استعانته بعدد من الأصدقاء والمعارف الذين كان قد أضاع أثرهم منذ فترة طويلة وقد قدّموا له الكثير من التفاصيل التي ساعدته على «إعادة تركيب قصة حياته». ويروي كيف أن العديد من الشهود أثبتوا صحة وقائع كان قد ذكرها حول أمه وأثارت «شكوك» القراء حول صحتها.
وما يؤكده سكلوت هو أنه أراد «نبش» ذكريات الماضي البعيد عبر الاستماع إلى الأغاني القديمة ورواية أفلام «أيام زمان» وإعادة قراءة كتب الفترة المعنية. باختصار سعى، كما يقول، بتجريب «كل ما يمكن أن يثير ذكرى» لديه.
وفي دراسة تحت عنوان «مصّاص الدماء» يعود سكلوت بذكرياته إلى تلك الفترة من طفولته حيث كانت أمّه قد منعته من مغادرة سريره، بسبب المرض، لمدة أشهر عديدة وحيث كان يأتي ممرض بين الحين والآخر لسحب كمية من الدم وإرسالها إلى مختبر للتحاليل الطبية. سكلوت يعطي لهذا الرجل تسمية «السيد مصّاص الدماء».
وهو يصفه بالقول: «كان يرتدي دائما بذة سوداء وحذاء أسود وربطة عنق سوداء على قميص أبيض». وكان رغم مظهره القاتم مولعا بقراءة مارك توين، كما يشير سكلوت، مؤكدا أنه ساعده كثيرا في قراءة الكثير من الكتب بدلا من مجموعات الرسوم المصوّرة التي كان مأخوذا فيها.
وصفحات أخرى يحتويها الكتاب وتخص «الاقتصاد المنزلي»، ويتحدث المؤلف فيها عن تجربته في «الطبخ» التي بدأها عندما كان لا يزال في المدرسة الثانوية.
كان والده آنذاك قد توفي وأمه تغيب عن المنزل لعدة أشهر بحكم عملها في مجال الأسفار وأخوه الأكبر كان قد ترك المنزل نهائيا. ويروي سكلوت أنه كان مطيعا لأوامر والدته باستثناء تلك التي منعته فيها من «الطبخ» أثناء غيابها إذ لم يكن يستطيع مقاومة «نداء المطبخ».
ويكتب سكلوت تحت عنوان: «أرقام». عن تلك اللحظة في سنوات شبابه عندما كان ينتظر مع زوجته الأولى ولادة طفل، فقرر أن يترك العالم الجامعي والبحث عن وظيفة أفضل ماديا. هكذا تقدّم بطلب إلى حاكم ولاية «اللينوا» لشغل عمل في مكتب الخزينة في حين أنه لم يكن يمتلك أية مؤهلات لذلك. مع ذلك اجتمعت سلسلة من المفارقات والأحداث غير المتوقعة جعلته يفوز بالمنصب. وهو يتذكّر طويلا تلك «البذة المقيتة» التي كان يرتديها يوم المقابلة وكانت تعود لحقبة «البيتلز» التي ولّى زمنها.
وما يؤكده هو أن ذلك العمل الذي مارسه في «دائرة الخزينة» بولاية اللينوا صرفه تماما عن الكتابة لفترة من الزمن. لكن قوة جذب القلم أعادته إليها لممارسة المهنة التي كانت تسري في دمه، وهي أن يصبح كاتبا.
كتب سكلوت الشعر والأقصوصة والرواية والدراسة، وهو يكتب في هذا العمل الجديد عن ذكريات سنوات حياته البعيدة وأشيائها «الصغيرة» كي يشرح، وبكثير من الحس الشاعري، كيف أصبح «كاتبا».
الكتاب: نظرة خاطفة من أعلى
تأليف: فلويد سكلوت
الناشر: جامعة نبراسكا 2008
الصفحات: 231 صفحة
القطع: المتوسط
The wink of the zenith
Floyd Skloot
University of Nebraska 2008
231.P

