كتب صموئيل بيكيت، الأديب الايرلندي وأحد أكثر الكتّاب شهرة في العالم خلال القرن العشرين، حوالي 000 15 رسالة على مدى ستين سنة اعتبارا من عام 1929 وحتى وفاته عام 1989. وهذا الكتاب «رسائل صموئيل بيكيت، 1929ـ 1940»، يخص إذن مجموعة الرسائل الأولى.

أولئك الذين راسلهم بيكيت كانوا هم أيضا من كبار كتّاب عصره ومبدعيه، وليس أقلهم شأنا بروست وكافكا وسيزان وفان غوغ واليوت وغيرهم. وتبدأ الرسائل المذكورة في هذا «المجلّد» الأول من مذكرات بيكيت عام 1929، أي عندما كان عمره هو 23 سنة. وستكون هناك ثلاثة مجلّدات أخرى تغطي الفترات اللاحقة من حياة الكاتب الكبير.المجموعة المقدّمة في هذا العمل تخص بصورة رئيسية، كما نقرأ، مشربين أساسيين من حياة بيكيت هما «عمله» و«فكره»، هذا إلى جانب إلقاء الضوء على الكثير من مسيرة حياته الخاصة. هكذا نفهم مثلا أنه كان صديقا مقرّبا للشاعر جيمس جويس وزوجته، وأنه كان موضع ثقة كاملة منهما وكلنا يسرّان إليه بأكثر مشاكل أسرتهما عمقا.

كذلك نفهم أنه سافر إلى ألمانيا خلال عامي 1937 و1938، أي في تلك الفترة الحاسمة التي كان فيها أدولف هتلر يحضّر لحربه التي تطورت إلى حرب كونية ثانية استمرت منذ عام 1939 حتى عام 1945.ويشير بيكيت في إحدى رسائله أنه غادر باريس قبل يومين فقط من وصول الجيوش النازية إليها واحتلالها عام 1940.

لكنه غادر العاصمة الفرنسية يومذاك، ليس من أجل العودة إلى بلاده ايرلندة، ولكن كي «يضع نفسه تحت تصرف» فرنسا، كما يقول. بالمقابل لا يوجد في الرسائل التي يضمها هذا الكتاب عن سنوات 1929 ـ 1940، أي سنوات شباب صموئيل بيكيت، ما يدل على أنه سيكون ذلك الأديب الذي أصبحه فيما بعد. كان آنذاك خريجا «طريا» من «معهد ترينيتي» في دبلن. تعود أصوله.

كما يقول في رسائله، إلى أسرة ميسورة الحال نسبيا وتنتمي إلى الطائفة البروتستانتية. وهو يسهب في الحديث عن مدى اعتزاز أسرته بابنها «صموئيل» اللامع في دراسته والحاصل على العديد من الجوائز وعلى المنح الدراسية بسبب اتقانه للعديد من اللغات الأجنبية وفي مقدمتها اللغتين الفرنسية والإيطالية. هذا فضلا عن كون أنه كان قد دخل عالم الأدب والأدباء ونشر بعض النصوص في الصفحة الأدبية التي كان يشرف عليها الشاعر الكبير الآخر، ابن بلاده، جيمس جويس.

كانت هناك إذن مظاهر كبيرة وعديدة للبرهان على النجاحات التي حققها صموئيل بيكيت منذ تلك الفترة من شبابه. لكن ذلك كله لم يكن بالنسبة للمعنى المباشر بتلك النجاحات كلها، أي بيكيت نفسه، سوى لحظات عابرة لا يبقى منها أي طعم للسعادة الحقيقية. هكذا نقرأ في رسالة سطّرها عام 1935 لأعز أصدقائه توماس ماغفري ما يلي: «كنت على مدى سنوات تعيسا وعلى وعي تام بذلك.

كنت أعيش العزلة أكثر فأكثر وأقل فأقل إقبالا على الحياة وأواجه تدريجيا استصغار الآخرين لي واستصغاري لنفسي. وذلك وصولا إلى تلك الطريقة في الحياة التي كنت أعيشها، أو بالأحرى نفي الحياة الذي تبدّى في بعض الأعراض المرعبة التي من الصعب الاستمرار معها.هذا مع إدراكي أن شيئا ما في داخلي يعاني من السقم».«الأعراض المرعبة» التي يتحدث عنها صموئيل بيكيت في رسالته تلك تجد صداها في العديد من الرسائل الأخرى بما يصفه مؤلفها نفسه ب«أزمات من الهلع» التي لا تقل خطرا عن «الأزمات القلبية». وقد دفعت الحالة تلك بيكيت إلى التردد لعيادة طبيب نفساني بريطاني اسمه «ويلفرد بيون».

وقد كتب بيكيت في العديد من رسائله عن أنه كان يعاني من إصابات مرضية عديدة، لكنه تبيّن أنها كانت كلها نتيجة لحالته النفسية أكثر مما هي لحالته البدنية. وكانت تلك الحالة النفسية هي العامل الأهم في تخلّيه عن مهنة التعليم التي فتحت أبوابها أمامه. وعاش لمدة سنوات كاملة على «الصدقات» وعلى القليل من المال الذي كان يكسبه عبر قيامه ببعض الترجمات الأدبية.

وتدل الرسائل العديدة في هذا الكتاب أن صموئيل بيكيت عاش القسم الأعظم من فترة كتابتها «متشرّدا» بين دبلن ولندن وباريس وألمانيا. كان قداختار ذلك حيث لم يكن يمتلك عمليا سوى النذر اليسير الذي يؤمن قوته. وكان «وحيدا غالبا»، كما يصف هو نفسه حالته. وقد عرف بيكيت في تلك الفترة العديد من النساء، كما تدل التعليقات على رسائل هذا الكتاب، ولكنه لم يتعرّض سوى نادرا إلى ذكرهن في الرسائل ذاتها.

تبدو تلك الفترة من البؤس والتشرد، وعلى قساوتها، بمثابة فترة تعلّم ضرورية بالنسبة لبيكيت نفسه. يتساءل في أحد رسائله «عمّا إذا كان النصف الثاني من الزجاجة أفضل من النصف الأول». هذا ومن الواضح أن الأسلوب الذي كتب فيه رسائل فترة الشباب تلك، كان مختلفا عن ذلك الذي أبدع فيه في فترة سنوات النضج. لكن هذا لا يحرم كتابات الشباب، ومن بينها هذه الرسائل، من نكهة كتابة صموئيل بيكيت «الهاوي» لتاريخ الفن وللبحث عن «لحظات الحقيقة» بعيدا عن كل المظاهر الكاذبة، وعن جميع أشكال النجاح «الخادعة».

وتتم الإشارة في النهاية أن المجلّد القادم من رسائل بيكيت سوف يغطي سنوات 1945 ـ 1956، أي ما يعني أن هناك أربع سنوات من الانقطاع عن التراسل، كانت بالتحديد هي السنوات التي استمرت فيها سنوات الحرب العالمية الثانية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن عام 1956 كان قد شهد صدور عمله المسرحي الشهير «في انتظاره غودو»، أي ذلك العمل الذي أخرج صموئيل بيكيت من خانة الأدباء «المغمورين» إلى أحد أكثرهم شهرة على صعيد العالم كله.

الكتاب: رسائل صموئيل بيكيت 1929 ـ 1940

تأليف: مارتا دو فيزنفيلد ولويس مور اوفيربيك

الناشر: جامعة كامبردج لندن 2009

الصفحات : 782 صفحة

القطع: المتوسط

The letters of Samuel Beckett 1929 -1940

Martha Dow Fehsenfeld and Lois more Overbeck

Cambridge University Press2009

782.p