الأسلوب التهكمي اللاذع يتراءى بوضوح بين سطور رواية «السماء تبكي من أجلي» للأديب النيكاراغوي سيرهيو راميريز، التي تقوم على تحقيق بوليسي حول جرائم تهريب المخدرات في حركتها الدؤوبة بين منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ النيكاراغوية في مشهد يستبيحه الفساد والموت.

أجرت مجلة «7 دياس» النيكاراغوية حوارا مع الأديب سيرهيو راميريز تركز حول عمله الروائي الجديد «السماء تبكي من أجلي»، الذي يشكل انعطافة نوعية في مسيرته الإبداعية، حيث يمكن توجيه التهنئة بمناسبة صدور هذه الرواية كونها تؤسس لعصر الرواية البوليسية في بلد لم يعرف هذا الجنس الأدبي من قبل على الإطلاق. وفيما يلي نص الحوار:

هل قصدت منذ البداية كتابة رواية بوليسية تقليدية؟

نعم. كنت عاقدا النية على ابتكار شخصيتين متميزتين،لأنه في الروايات أو الأفلام البوليسية الأميركية الحديثة هناك دائما زوج من المفتشين أحدهما أبيض والآخر أسود والأخير يكون المساعد دائما.

وبالتالي، فإني حاولت إجراء محاكاة ساخرة لذلك المشهد المتكرر. أردت إبقاء نفسي عرضة للمعايير الكلاسيكية لهذا الجنس، فلقد سحرتني دوما طريقة المفتشين في كشف الجرائم المرتكبة اعتمادا على عدد ضئيل من العناصر، على غرار المفتش مايغريت، الشخصية الرئيسية في روايات الأديب الفرنسي جورج سيمنون(1903-1989)،حيث تكون البداية بفك ألغاز الحالات التي يتعاملون معها بالعقل والحكمة عن طريق إنشاء الفرضيات وتصحيحها.

كما أردت ابتكار ثنائي مطابق للنموذج النيكاراغوي الذي يقوم على رجال حرب عصابات سابقين لا يزالون قابعين خلف أخلاقياتهم القديمة ويدافعون عن البيئة الملوثة بأسلوب الكوميديا السوداء وذلك قبالة حالة فساد مسيطرة ومتربعة على عرش الهرم الاجتماعي. جميع شخصيات الرواية كوميدية إلى حد ما أو بالأحرى تراجيدية كوميدية، ذلك أنها تتحرك وتنشط في جود تراجيدي.

هل لتلك الشخصيات نماذج أولية أم أنها ثمرات صرفة للتخيل؟

كل شخصيات الرواية لها نماذج أولية، لكنها تخضع لعملية تحويل بينما يجتمع العديد منها في شخصية واحدة. إلا أن تلك الشخصيات غالبا ما تبدو مألوفة رغم التغييرات الطارئة عليها، فأنا لم أكن في مخدع آميتا غرانيرا قط، لكني لا أعتقد أن حياتها عذرية بالقدر الذي تظهر به في الرواية. فهي النموذج الأولي لشخصية المفوضة فيوليتا ماريا باركيو الملقبة بالراهبة، لكنهما ليستا الشخصية عينها. أردت تصوير شرطية كانت في يوم من الأيام راهبة وامرأة حرب عصابات. وعندما أتكلم عنها خارج نيكاراغوا، فإن الناس يصابون بالدهشة ويعتقدون أنها من بنات أفكاري.

عندما يريد مؤلف ما الكتابة حول موضوع يتطلب معارف خاصة، مثل الطب أو التحريات البوليسية، فإن العادة جرت على أن يدرس موضوع القضية. ما هي مصادرك؟

قمت بعدة محاولات لكتابة هذه الرواية، بدأت الأولى عام 2003 وكتبت اثنين من فصولها متحدثا عن وصول صورة العذراء فاطمة إلى مبنى الشرطة الوطنية وعن لقية اليخت في بحيرة «بيرلاس»، فما كنت أريده كان واضحا جدا في ذهني، حتى تلك اللحظة، لكني توقف بعدها لفترة زمنية طويلة.

إختبرت ذلك في عدة روايات ولم أتمكن من وضع يدي على مفتاح كل منها بسهولة، إذ أبقى على هذه الحال متفحصا الأمر حتى يفتح ذلك الباب فجأة. لكن ما حدث في حالة «السماء تبكي من أجلي» هو أني بدأت أبتكر مادة الرواية بينما كان العمل الروائي يشق طريقه إلى الأمام، لم يكن لدي خطة. وتعين على مراقبة الحبكة كثيرا كي لا أقع في تناقضات .

ألم تستشر أي رجل من رجال الشرطة؟

في حالة «لا كوستينيا»، التي أثارت اهتمامي وجعلتني أختارها موضوعاً للرواية تحدثت إلى إدواردو كوادرا الذي يعمل في إدارة التحقيقات في قضايا المخدرات وهو وضع الملف بين يدي. لكن تلك الصناديق الكرتونية الثلاثة بقيت لفترة من الوقت محفوظة في منزلي ولم أبادر إلى فتحها قط، وأعدتها حتى من دون تصوير الأوراق التي تحتويها لأنه لم يكن لدي الوقت لقراءتها قررت أنه من الأفضل اللجوء إلى الخيال.

لكني استفدت من الحديث مع كوادرا ومع الأشخاص الذين عملوا معه باتجاه رؤية كيف هي حالة الشرطي من الداخل وكيف يعمل. على الرغم من عدم ذكر السنة التي تجري فيها أحداث الرواية، إلا أنه من السهولة بمكان على القارئ النيكاراغوي معرفة أن مجريات القصة تتطور في زمن حكومة دكتور آرنولدو ألمان. وأنا لا أشير إلى الوقت لأني أردت كتابة رواية من الحقبة المعاصرة بطريقة مفتوحة، حيث يمكن اعتبار هذه الرواية بمثابة صورة لماناغوا المعاصرة أو نزهة عبر شوارع العاصمة حاملين معنا آلة تصوير سينمائية.

إذا كان الكتاب فيه تلك الآلية الخاصة بتعاقب المشاهد حيث من السهل تخيل عملية تحويله إلى فيلم سينمائي. ألا يروق لك رؤية ذلك فعلا؟

سيكون ذلك جميلا،لأني أحس بعاطفة جياشة مفعمة بالحنان حيال الشخصيتين الرئيسيتين التي تقوم عليهما الرواية، ذلك أنهما تتمتعان بمضمون جمالي عظيم وهما متمسكتان بالقانون لكنهما تخترقانه بصورة متكررة. وهذا يعني أنهما ليستا شخصيتين مثاليتين لكنهما ينتميان إلى مدرسة ليونيل روغاما وجورج نفارو، الملقب بالنافاريتو، رفيقي في الصف أيام الدراسة بالجامعة. ذات مرة كان يحمل حقيبة مليئة بالنقود حصل عليها من هجوم على بنك، ورحل سيرا على قدميه لأنه لم يتمكن من أخذ ولو خمسة بيزوات لدفع أجرة التاكسي. يبدو ذلك أسطورة لكنها أسطورة حقيقية.

هذه الرواية أشبه بتكريم شرطي فقير لا يزال يحتفظ بقيم جمالية وأخلاقية ويقاتل من أجلها بيدين نظيفتين ضد عصابات تجارة المخدرات والذي يا ليته يستطيع النجاة بتلك المناقب الأخلاقية الحميدة. لدي مخاوف كثيرة حيال نزاهة الشرطة الوطنية ومن أن تقع شخصياتي في هذا الجرف من الكوارث التي يمكن أن تحدث في كنف المؤسسة.

باسل أبوحمدة