يعرض أجنر فوج في كتابه «الانتخاب الثقافي» نظرية مغايرة وجديدة، حيث تؤكد أن الثقافة يمكن أن تتطور في اتجاهات مختلفة تبعا لظروفها الحياتية أو المجتمعية.. وتتميز بقدرتها على تفسير السلوك العفوي أو اللاعقلاني الذي تزخر به كافة المجتمعات. كما تركز على أهمية تجارب الانتخاب الصغرى وصراعات القوى والظواهر اللاعقلانية، ودورها في التطور الاجتماعي.

و يؤكد المؤلف أن التطويريين في القرن ال19 تحدثوا عن التميز بين الوراثة العضوية والاجتماعية، لأنهم لم يكونوا على علم بقوانين «مندل» في الوراثة.. كما كان مبدأ البقاء للأصلح يعني عندهم أن التطور يعتمد على أقوى الأفراد، وبذا لم يميزوا بين التطور والتقدم. كما لم تكن نظرية «الانتخاب الثقافي» مبحثا مستقلا، كانت ضمن مبحث علوم عديدة ومختلفة..الفلسفة، الاقتصاد، الاجتماع، علم النفس..الخ.

بينما أساس الانتخاب الثقافي، يرجع إلى أن التطور الثقافي أسرع من التطور الوراثي «الجيني» نظرا لتوافر ما يسمى بـ «طاقة التكيف» أي القدرة على التكيف، وليست التكيف نفسه.. بالإضافة إلى أن الإنسان يتميز في مجال الثقافة بما يعرف ب «السلوك الجمعي»، نظرا للاستعداد الطبيعي عند الإنسان على التعاون والعمل الجمعي.. بل وتصنيف البشر الآخرين حسب جماعتهم، وهو ما يسمى بالعرقية أو الاثنية. ويتم التعبير عن هذا الانتماء عن طريق الوشم أو اللغة والطقوس والشعائر الدينية.. وهذا الشعور نفسه، له دور أساسي في عملية الانتخاب الثقافي.

ماذا عن نظرية الانتخاب الثقافي؟

نظرية الانتخاب الثقافي هي نظرية عن ظواهر يمكن أن تنتشر داخل المجتمع، مثل الشعيرة الدينية أو أسلوب في الفن أو طريقة في الصيد. وهي تعتمد على ثلاث عمليات:

أولا: أن تنشأ الظاهرة، وهو المعروف بالإبداع أو التجديد.

ثانيا: ثم تأتي عملية انتشار الظاهرة من فرد إلى آخر، أو من جماعة إلى أخرى، وهو ما يعرف بالنقل أو المحاكاة أو التكاثر.

ثالثا: عملية الانتخاب، والمقصود هو أي آلية أو عامل مؤثر في انتشار الظاهرة من حيث الكثرة أو القلة.. وأكثرها شيوعا الاختيار الواعي من جانب البشر.

وهذا العرض يماثل نظرية «داروين» في الانتخاب الطبيعي التي تتناول الوراثة الجينية. بينما الانتخاب الثقافي تتميز ببعض الاختلاف.. لأن التكاثر الثقافي لا يرتبط بالضرورة بالتكاثر البشرى، أي أن العادة لا تنتقل من الآباء إلى الأبناء فقط، بل والى آخرين لا علاقة وراثية معهم.. (مثلا الحياة داخل الأديرة انتشرت على الرغم من أن الرهبان ليس لهم أولاد).. والفارق الثاني مع نظرية الانتخاب عند «داروين» إن السمات المكتسبة يمكن أن تنتقل عن طريق التوارث الثقافي، وليس التوارث الجيني ، والآن إذا ما كان تعريف «الثقافة» بأنها نمط سلوكي مشترك بين أفراد مجموعة ما من البشر، وينتقل من فرد إلى آخر عن طريق المحاكاة أو التعلم، وليس عن طريق الجينات الوراثية ، فان الثقافة نجدها إذن عند الحيوانات.

هناك أمثلة موثقة يبرز الانتقال الثقافي عند الحيوان.. في عام 1953م اكتشف الباحثون قردا يابانيا «أيمو»، يغسل الرمل العالق بالبطاطا باستخدام الماء، ثم يأكلها. بعد أربع سنوات كانت 18%من جماعة كبار القردة تقلده، بينما 79%من شباب القردة تعلموا التقنية أيضا. وغيرها من الأمثلة. كما أن متابعة الطيور وبعض الحيوانات الأخرى كشفت عن أمثلة ايجابية للانتخاب الثقافي بالتقليد والمحاكاة والتعلم.

ويرى الكاتب صاحب النظرية «أجنر فوج» أن فكرة النظرية موجودة منذ عام 1867م، إلا التطبيقات عليها كانت في دراسة ظواهر العالم الواقعي. مثال ذلك أن محاصيل جديدة تعطى غلة أفضل عن سابقتها، وهى (عنده) نتيجة مبتذلة، فلا ضرورة لصياغة نظرية محكمة لتفسير تلك الحقيقة الملاحظة من الجميع.. أو لتفسير ما هو واضح سلفا.

إن قوة الانتخاب الثقافي تتجلى بقوة في مجال السلوك اللاعقلاني، مثل.. الألعاب، الشعائر، الموسيقى، الأساطير، الحكايات، الموضة.. وكلها غير منتجة، وكلها أيضا تغيرت عبر التاريخ، ونادرا ما نعرف السبب، وهو بالضبط التحدي أمام نظرية الانتخاب الثقافي.

كما أن البحث في مجال استراتيجيات السلطة (أيديولوجية أو دينية أو غيرها) ربما لا يمكن تفسيرها على أساس التخطيط العقلاني وحده، ولكن يتأتى تفسيرها إذا ما وضعنا في الاعتبار النتيجة التراكمية عن أحداث انتخاب متواترة.

ويؤكد الكاتب بالعديد من الأمثلة على أهمية النتيجة التراكمية بعيدة المدى للكثير من أحداث الانتخاب الصغرى، وعلى صراعات القوى وأيضا ظواهر لا عقلية مثل الفن.

كما يرفض أجنر فوج وضع أو افتراض نموذجا رياضيا محكما للظاهرة الثقافية في الحياة الواقعية.. لكن المؤكد أن عملية الانتخاب الثقافي تخضع لآلية الابتكار والتكاثر والانتخاب (المشار إليها سلفا)، وأن غالبية الظواهر الثقافية تخضع لعديد من آليات الانتخاب التي تتفاعل معا.. وهو ما يزكى التأكيد على رفض الأخذ بنموذج مثالي أو رياضي لأي ظاهرة ثقافية، ولا للظواهر الثقافية كلها.

الكتاب: الانتخاب الثقافي

تأليف : أجنر فوج

الناشر : الهيئة المصرية للكتاب

الصفحات : 400 صفحة

القطع: الكبير

السيد نجم