صدر في دمشق مؤخراً، كتاب جديد وهام يتعرض لموضوعة أصبحت مطلوبة وضرورية هي تربية الذوق الجمالي عند الإنسان.ويعتبر موضوع الكتاب في غاية الأهمية، إذا ما علمنا أن موضوعة التربية الجمالية أو الذائقة الجمالية أو التذوق الجمالي، في المدارس والمعاهد والجامعات العربية، لا تزال بحاجة ماسة لإعادة نظر وتطوير وتحديث، فجلّ ما يعطى في هذا المجال قائم على الإشارات المكثفة والمعلومات القاموسية المبتورة ووجهات النظر الأحادية الجانب التي لم تعد موائمة ولا منسجمة مع الوضع الجديد لعالمنا المفتوح على الكشوفات المتلاحقة.

من هنا تأتي ضرورة وضع أبحاث جمالية تطبيقية حول بنية العمل الفني وتوضيح علاقة الفنون بعضها ببعض، وعلاقتها بغيرها من مظاهر الحياة المختلفة. لقد أدرك العرب مبكراً الآلية التطبيقية للفن عندما عرفوه استناداً إلى مفهوم (الصنعة) أو (الصناعة) وهذا ما ذهب إليه علم الجمال الماركسي اللينيني عندما أكد أنه كي تكون ثمار المخيلة المبدعة متاحة للآخرين، ومؤثرة في عالمهم الروحي، يجب أن تكون مجسدة في مادة مناسبة، أكثر كمالاً وصموداً في وجه الزمن من وسائل إيصال الإرادة والمشاعر الشخصية، ولأجل هذا النشاط لابد للفنان من موهبة أي مجموعة قابليات مهنية خاصة، قادرة على التجسيد العملي لثمار المخيلة المبدعة، ومن مادة مناسبة لعملية التجسيد هذه.

الإشكالية القائمة اليوم هي: كيف نربي الإنسان المعاصر على التمتع بهذه الثمار، وبالشكل الصحيح والسليم، أي تربيته جمالياً، وتطوير ذائقته ليتمكن من التواصل العميق مع ثمار المخيلة المبدعة، سعياً للكشف عن أوجه الحياة المليئة بالأمل والحب والتفاؤل والجمال، فكما أن الإنسان بحاجة إلى التربية البدنية لترعى سلامة جسده وصحته، بحاجة أيضاً إلى التربية الجمالية لترعى روحه، وتشذب أحاسيسه، وتسعى لسلامة نفسه.

كتاب تربية الذوق الجمالي عند الإنسان لمؤلفه (وائل يوسف خطار) محاولة هامة وجادة وجديدة واختصاصية، للإحاطة بموضوعة التربية الجمالية، وتفرعاتها المختلفة اللازمة والضرورية للإنسان، من أجل توازنه روحاً ومادةً، وهذا الكتاب بتخصصه الدقيق، وإحاطته الوافية بموضوعة التربية الجمالية، يقدم خدمة كبيرة مطلوبة بإلحاح ولكل مفاصل تأهيل وتدريب وتربية إنساننا على اختلاف مراحله العمرية،ذلك لأن التربية الجمالية لا تقتصر على المدرسة بل تقوم بوضع الأسس لتربية وعي متوازن للفرد، تفضي بدورها لبناء شخصية أمة بكاملها، وبشكل صحي وصحيح.

تتعرض فصول كتاب (تربية الذوق الجمالي عند الإنسان) للثقافة والخبرة الجمالية وللتذوق الجمالي وللتربية الجمالية وأثر التربية الجمالية على التذوق الجمالي والتربية الفنية في سوريا.. وهو ـ كما يقول مؤلفه ـ محاولة لنشر الثقافة التربوية الجمالية بين أفراد المجتمع عامة: مثقفين، معلمين، معلمات، تربويين، فنانين، أصحاب مهن، مهندسين، صناع قرار، شبيبيين، أطفال (عن طريق الأهل) في إطار الأسرة وكل من له مهنة منظور إليها من المخروط الجمالي لتربية الحس والوجدان والانفعال والخيال عندهم التي هي الإحساس في تكوين الشاعر والفنان والعالم والمبدع.

ويؤكد المؤلف وائل يوسف خطار أن التربية الجمالية، أصبحت في الآونة الأخيرة، معياراً حضارياً يشير إلى تقدم المجتمع ورقيه، ولا يمكن تجاهل نزوع الأفراد إلى تأسيس بيئة جمالية حولهم، وذلك يعود إلى المخزون الجمالي الموجود عندهم، أي الثقافة الجمالية التي اكتسبوها من خلال مراجعتهم واطلاعاتهم في مجال التربية الجمالية والتذوق الجمالي والخبرة الجمالية والثقافة الجمالية والقيم الجمالية.

ويشير المؤلف إلى وجود قصور من هذه الجوانب، في اهتمامنا وكتبنا وهذا يشكل نقصاً في جوانب تربيتنا الأساسية حيث إن تربية الجانب الوجداني في شخصية الإنسان لا تقل أهمية عن تربية الجانب العقلي، ويؤكد على ضرورة تربية الشخصية تربية متكاملة ومتوازنة بكل جوانبها العقلية والجسدية والانفعالية والاجتماعية والوجدانية حيث إن تربية الإنسان عقلياً ووجدانياً تخلق عنده الشخصية المبدعة.

يرى الباحث (خطار) أن التربيّة الفنيّة العربيّة المعاصرة، تواجه عدة عراقيل على مستوى الجامعات والمعاهد المتوسطة والمدارس، حيث تُعتبر بفروعها المختلفة نشاطاً ترويحياً يؤدي إلى التسلية وإضاعة وقت الفراغ، ولذلك قلما نجد عناية حقيقيّة بها، لأن الفكرة السائدة أن أي عناية بالتربية الفنيّة ستكون على حساب مواد التخصص، وبالتالي ينتهي الأمر بإهمال هذا النشاط الفني الجمالي التذوقي.

كما أنه يوجد خلط بين الشخص المتخصص بالفن والمؤهل تربوياً والذي يصلح لتربية الناشئة تربيّة فنيّة سليمة، فليس كل من يشتغل بالفنون المسرحيّة أو التشكيليّة أو الموسيقيّة قادراً على المثابرة وتعليم الشباب القيم الفنيّة. كما أنه لا يوجد مكان مخصص لممارسة النشاط الفني في غالبية المدارس العربية، حيث يحتاج هذا النشاط الهام والضروري إلى قاعات فسيحة مزودة بالأدوات والمعدات والوسائل التي تسهل على التلميذ ممارسة ضروب وأنواع الفنون البصريّة والسمعيّة كافة.

الكتاب: تربية الذوق الجمالي عند الإنسان

تأليف: وائل يوسف خطار

الناشر: المؤلف نفسه

الصفحات: 128 صفحة

القطع: المتوسط

د. محمود شاهين