يحاول مؤلف هذا الكتاب استجلاء موقف «الأنطولوجيا التاريخية» التي وضعها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو من قضايا النثر والحداثة وما بعد الحداثة، ويشتكي من أن مصطلح «ما بعد الحداثة» عصي على التحديد منذ نشأته، وأنه أريد له أن يكون كذلك، فتحول مع مرور الوقت إلى موضوع إشكالي.
حيث تزايدت مع انتهاء الثمانينات صعوبة التحديد الدقيق للمعنى الكامن وراء مصطلح ما بعد الحداثة، وبات يتشعب عبر مناقشات مختلفة ويتجاوز الحدود ما بين فروع المعرفة المختلفة، وتسعى أطراف مختلفة للاستشهاد بهذا المصطلح، واستخدامه للتعبير عن خضم الأشياء والتوجهات والطوارئ المتنافرة. وعليه يتحدد مفهوم ما بعد الحداثة وفقاً للسياقات والمجالات والقضايا، بالرغم من أن عملية التحديد تبدو، من الوهلة الأولى، غير مجدية وغير نافعة إلا من خلال سياق معين أو ميدان معين.
ويرجع الفضل في استعمال مصطلح «ما بعد الحداثة»، إلى المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي سنة 1947 في كتابه دراسات تاريخية، حيث وصف المجتمع الغربي باللاعقلانية والفوضوية واللامعيارية، وذلك بسبب أفول دور البورجوازية في التحكم بتطور الرأسمالية الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وحلول الطبقة العاملة الصناعية محلها، وهو ما رآه انقلاباً بل انحطاطاً للقيم البورجوازية التقليدية.
ثم انتشر المصطلح في الأدب الأميركي، وأصبح في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين المنصرم، مصطلحاً مقبولاً في عدد من المجالات المعرفية وخاصة في الهندسة المعمارية.
واستعملته المدرسة الاجتماعية البريطانية، ووظفته على الأقل في مبحث سوسيولوجي، تحت مسمى علم اجتماع ما بعد الحداثة لدى سكوت لاش، وديفيد هارفي، وانتوني جيدنز، ومايك فيذرستون، وكولان كامبل وغيرهم، ممن حاولوا التخلي عن مفاهيم ونظريات علم اجتماع الحداثة، وقاموا بتأويل أعمال كارل ماركس، والاستفادة من ثورة المعلوماتية، والدفاع عن مجتمع خال من الطبقات والثقافات المهيمنة، مع القول بنهاية الإيديولوجيا.
وجرى تداول مصطلح ما بعد الحداثة في فرنسا في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، وتحديداً في سنة 1979، عندما استعمله الفيلسوف جان فرنسوا ليوتار، في كتابه الذي أصبح نصاً تأسيسياً وهو الوضع ما بعد الحداثي، وتم اعتماد الكلمة في قاموس لاروس كملحق سنة 1981.
ويطالب المؤلف بضرورة إجراء فحص نقدي لهذا المصطلح الذي يعبر عن فلسفة معينة أو اتجاه فلسفي معين، يتعين دراسته دراسة تفصيلية بغية تبيان مضمونه وحدوده ومواقفه من الحداثة والتنوير. وعليه يرجع إلى تحديد لخلفية التاريخية لفكرة ما بعد الحداثة، التي يرجع المؤلف ظهورها للوعي بأزمة الأسس التي أعلنتها الحداثة ومشروع التنوير وذلك منذ بداية القرن العشرين، وهو ما كشفت عنه العلوم الطبيعية، وبخاصة علوم الفيزياء ونظرية الكم أو الكونتا، التي أدخلت فكرة الاحتمال في مقابل الحتمية.
ومبدأ علم اليقين الذي قال به هايزنبرغ. كما ظهرت في مجالات علمية كالهندسة الجانبية ونظرية الكوارث لـ رونيه طوم. وكذلك في انهيار المشروعات الغربية الكبرى: مشروع دولة الرفاه في الغرب، والمشروع السوفييتي، ومشروع التنمية في بلدان الجنوب أو العالم الثالث، وتعاظم الأسلحة الكيماوية والذرية، وقيام حربين عالميتين، واستعمال التكنولوجيا في إبادة جنس بعينه وهو ما تجسد في المحرقة النازية، وفي الاستعمار وآثار عملية تصفيته على الوعي الأوروبي.
ونظراً لما تقدم، فإن ما بعد الحداثة يحددها المؤلف في توجه نقدي للتنوير والحداثة وقيمهما، حيث بدأ هذا النقد والرفض على حد سواء، في مستواه النظري والفلسفي، مع الفيلسوف الألماني فريدرك نيتشه في القرن التاسع عشر، وذلك عندما شرع في نقد أسس الحداثة الغربية وعلى رأسها العقل.
وتدعم هذا التوجه النقدي للحداثة ومشروع التنوير بآراء الفيلسوف الوجودي «مارتن هيدغر». ثم تقوّى هذا التوجه النقدي مع أنصار نيتشه وهيدغر من الفلاسفة المعاصرين أمثال فوكو ودريدا وليوتار وفاتيمو، هذا الأخير الذي يرى أن ما بعد الحداثة، تعود إلى تحولين أساسيين أصابا أوروبا وهما: نهاية السيطرة الأوروبية على العالم، ونمو وتطور وسائل الإعلام والاتصال التي أفسحت في المجال للثقافات المحلية والفرعية والهامشية.
إذاً، ارتبط مفهوم ما بعد الحداثة ارتباطاً وثيقاً بمرحلة تاريخية معينة، ويمكن القول بأنه نتج عن تحول تاريخي في الغرب نحو شكل جديد من أشكال الرأسمالية، نحو عالم من التكنولوجيا والنزعة الاستهلاكية وصناعة الثقافة، عالم سريع التبدل والزوال، انتصرت فيه صناعات الخدمات والمال والمعلومات والصور على المصنع التقليدي.
ويشير المفهوم إلى شكل من أشكال الثقافة المعاصرة، يحدده المفكر والناقد الإنكليزي «تيري إيغلتون» في كتابه «أوهام ما بعد الحداثة» بأسلوب في الفكر يبدي ارتياباُ بالأفكار والمفاهيم والتصورات التقليدية مثل: الحقيقة والعقل والهوية والتقدم والانعتاق والخلاص الكوني والسرديات الكبرى.. إلخ.
وتنظر أفكار ما بعد الحداثة إلى العالم بوصفه طارئاً عرضياً، بعيداً عن الثبات والقطعيّة والحتمية، فهو متباين وبلا أساس، كونه مكون من مجموعة من الثقافات أو التأويلات الاختلافية التي تنظر بارتياب تجاه موضوعية الحقيقة والتاريخ والمعايير والطبائع المتعينة والهويات الثابتة. أما في المجال الفني فإن ما بعد الحداثة، كما يحددها «إيغلتون»، تتجلى في فن بلا عمق ولا مركز ولا أساس، فن استبطاني متأمل لذاته، ولعوب وانتقائي واشتقاقي وتعددي، يُلغي الحدود بين الثقافة «الرفيعة» والثقافة «الشعبية»، كما يُلغي الحدود بين الفن والحياة اليومية.
ويعتبر المؤلف أن نص الفيلسوف الفرنسي فرنسوا ليوتار، الذي ظهر سنة 1979 بعنوان: الوضع ما بعد الحداثي، هو أول نص فلسفي طرح الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة، والتي يمكن إجمالها في الاعتراض على مختلف قيم الحداثة كالتقدم والحرية والعقل والإقرار بفشل مشروع الحداثة الغربية.
الكتاب: ما بعد الحداثة والتنوير ـ موقف الانطولوجيا التاريخية
المؤلف: د. الزاوي بغوره
الناشر: دار الفارابي بيروت 2009
الصفحات: 288 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش
