الآلات الموسيقية الشعبية في مصر كالطبلة والدربكة والدف والرق معلم من معالم الفرح في المجتمع، مثلاً لا يكاد يخلو بيت مصر من دربكة أو رق، وأيضاً لن نجد فتاة أو امرأة لا تعرف الضرب على الدربكة وترقص وتغني على إيقاعاتها والأغنيات الشعبية.
ففي الخطبة أو الزفاف غالباً ما تلتف النساء حول بعضهن البعض بصحبة الدربكة ليغنين على إيقاعها مثلاً (أهو جالك أهو.. روق بالك أهو) أو (يا ليله بيضا يا ليلة نور وش العروسة طبق بنور)، كذلك كثيراً ما تستقدم الأسر في الزفاف والخطوبة والحج والطهارة وغيرها من مناسبات الفرح الفرق الشعبية التي تضرب على الدفوف والصاجات وتعزف على المزمار. بل إنه في العديد من المناسبات كعيدي الفطر والأضحى تتجول في الشوارع فرق شعبية بسيطة مصحوبة برق وطبلة كبيرين مع مزمار تهنئ الناس وتغني المدائح النبوية والأناشيد الدينية مقابل ما يجود به الناس من هدايا مادية أو عينية، أيضاً لا تفوتنا هنا طبلة أو بازة المسحراتي، وأيضاً بائع العرق سوس الذي يضرب طوال الوقت بالصاجات، أما في الموالد الشعبية لكبار الأولياء والصالحين المنتشرة في مصر من شمالها لجنوبها فتحتشد كافة هذه الآلات وغيرها حيث تقام ليالي الإنشاد الديني جنباً إلى جنب مع الأغاني التلقائية الشعبية المصحوبة براقصات شعبيات.
هذه الآلات التي عرفتها الثقافة الشعبية المصرية وشكلت وجهاً من وجوهها ومعلماً من معالمها وحفظتها الذائقة الشعبية والعازفون والمغنون الشعبيون، هذه الآلات سجلها (أطلس المأثورات الشعبية المصرية) الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة مؤكداً أن الموسيقى الشعبية إبداع شعبي من حيث الأصل والانتشار والوجود تصاحب الإنسان في فرحه وحزنه وفي مرحه وشجنه وفي حبه وغزله وفي عتابه وغضبه، وفي انتصاراته وانكساراته.
وهناك ثلاثة أنواع من الآلات الموسيقية الشعبية في مصر صنعها الفنان الشعبي من خامات البيئة مثل الغاب وشعور الحيوانات وجلودها والفخار، أولها آلات الإيقاع وتضم آلات ذات الرق الجلدي مثل الدف والدربكة، والآلات المغلقة من الجهة المقابلة للرق مثل البازة والنقرزان والنقارة، والآلات ذات الوجهين من الرق مثل طبل المزمار وطبل السيوي والطبل الكبير، وآلات المصوتة بذاتها مثل الصاجات والطورة والكاسات والناقوس وصاجات الباعة والمثلث، وآلات التوقيع هذه ربما كانت بديلاً أو مكملة لأقدم ما اكتشفه الإنسان من أساليب التوقيع عندما استخدم كفيه في التصفيق ورجليه في الدق على الأرض.
وهو لايزال يفعل إلى الآن رغم اكتشافه لهذه الآلات، وثانيها آلات النفخ ولعل أقدمها تلك القصبات المجوفة المختلفة الأطوال المثقوبة وغير المثقوبة والتي تفنن المصري في صنعها وتطويعها لتعطيه أصواتاً ونغمات جديدة متنوعة، ويضم هذا النوع آلات دون ريشة مثل السلامية، وآلات مزودة بريشة كالأرغول والقرمة والستاوية والمقرونة والمزمار البلدي، وثالثها آلات النبر أو الجر بالقوس على الأوتار (التوترية) .
وكانت هي آخر ما اهتدى إليه الإنسان ولقد استغرق التوصل إلى كل منها آلاف السنين، تطورت هذه الآلات خلالها من أشكالها الأولى البسيطة التي كانت تؤدي وظائف معينة مرتبطة بحياته وملبية لحاجاته وفقاً للمرحلة الثقافية التي يعيشها، ويضم هذا النوع آلات تنبر أوتارها مثل السمسمية، وآلات يجر على أوتارها بالقوس مثل الربابة. ويبلغ عدد الآلات الموسيقية التي يضمها الأطلس ما يقارب 50 آلة موسيقية شعبية متوارثة منذ آلاف السنين.
الدف:
يعد الدف (إطار من الخشب عرضه 9سم وسمكه 5,1 ملفوف على دائرة يشد عليها رق من جلد الماعز) من أكثر الآلات الإيقاعية انتشاراً في مصر وتتفاوت أحجامه وأشكاله ويتسع مجال استخدامه ليشمل أنشطة موسيقية متنوعة مثل الإنشاد الديني والمدائح النبوية وحضرات الذكر وكذلك حفلات الزار، وهكذا الدربكة على تفاوت أحجامها تنتشر بين كافة القطاعات في مصر ويتسع استخدامها في احتفالات الزواج والمناسبات السارة، والدربكة عبارة عن أسطوانة من الفخار يوضع على فوهتها رق من جلد الماعز.
أما البازة فيجهز مصوتها من ألواح النحاس أو الصاج الرقيق ويشكل على هيئة قمع يشد على فوهته رق من جلد الماعز، ويستخدمها المسحراتي في رمضان لإيقاظ الناس للسحور. والنقرزان عبارة عن قصعة من النحاس أو الصاج يشد عليها رق جلد تيس أو ماعز ويوقع عليها بزوج من العصا الرفيع ويستخدم النقرزان مع المزمار البلدي في الدلتا والصعيد كما يستخدم في فرق المنشدين الدينيين.
وطبل المزمار (أسطوانة من الخشب الرقيق أو الصاج يتراوح قطرها ما بين 30 إلى 45 سم شد على كل من وجهيها رق من جلد الأبقار) يعلق بحبل على الكتف ويضرب على أحد رقيه بعصا غليظة (زقلة) وينقر الرق الثاني بعصا رفيع (شبر)، وكذلك الطبل السيوي أو السوداني لكنه يزيد في طول أسطوانته على طبل المزمار حيث يصل إلى 70 سم.
الصاجات قطع دائرية من النحاس المسبوك منها الصغير الذي يثبت في إصبعي السبابة والإبهام، ومنها الكبير ويطلق عليه الطورة وينتشر لدى فرق المنشدين والجماعات المنظمة للزار. وهناك الكاسات وهي تشبه الطورة لكنها تزيد عليها في طول قطرها وتقبض كل منها بيد وتقرع ببعضها البعض من أسفل إلى أعلى أو بالعكس، وتستخدم الكاسات في المواكب والاحتفالات الدينية، والناقوس (الدف) ويشبه الكاسات ويستخدم لدى جماعات الطرق الصوفية خاصة في مواكب افتتاحات الموالد.
أما صاجات الباعة فهي زوج من الصاجات يصل طول قطر الواحد منه إلى 17 سم تقريباً وسمكه 2 ملل تقريباً ويصنع هذا الصنف محدباً في وسطه ومنحنياً من حافته إلى أعلى، ويمسك المؤدي هذه الصاجات بأصابع كف إحدى يديه في وضع يسهل معه نقر الواحدة بالأخرى، ويشيع استخدام هذه الصاجات لدى باعة العرق سوس على نحو خاص.
ويجهز الأرغول من قصب الغاب ويتكون من قصبتين متساويتين في الاتساع متلاصقتين ومتوازيتين إحداهما أطول من الأخرى ويمكن تزويدها بوصلات إضافية، أما القصبة القصيرة فقد فتح في جدارها ستة ثقوب في خط مستقيم، ويستخدم الأرغول على نحو خاص لدى فرق المغنيين البلديين المحترفين، أما القرمة فهي النسخة المماثلة لآلة الأرغول لكن القرمة تصنع من قصبتين متساويتين في الطول والاتساع ويقتصر العزف عليها على المحترفين من الرجال.
ويتكون المزمار البلدي الصعيدي من أنبوب أسطواني مجهز من خشب المشمش ويتدرج في الاتساع من أحد طرفيه لينتهي على شكل بوق أو جرس، ويشيع استخدامه في إطار فرق موسيقية تساهم بصورة أساسية في إحياء حفلات العرس وفي مصاحبة ألعاب العصا (التحطيب) وألعاب البرجاس.
ويرى د.أحمد مرسي رئيس اللجنة العلمية للأطلس أن الموسيقى الشعبية تنمو وتتطور عن طريق إعادة تجديد المواد الموجودة بالفعل في المجتمع، وتحفظها الذاكرة، كما أنها تتميز ببساطة مكوناتها وسهولة أدائها مما يساعد الناس على تمثلها وترديدها في سهولة ويسر ودون مشقة، وهي رغم بساطة مكوناتها تحمل قيماً جمالية وفنية عالية، وتعتمد بصفة أساسية على الغناء الذي يجري على إيقاعات موزونة وزناً موسيقياً قياسياً، باستخدام آلات أو أدوات موسيقية بسيطة التكوين والتركيب مصنوعة من خامات البيئة ويسهل الأداء عليها.
ومنها أيضاً أن هذه الأشكال الغنائية وخاصة التي يرددها عامة الناس من غير المحترفين جماعية ويستحيل على عكس الموسيقى الفردية (غير الشعبية) أن نضع خطوطاً فاصلة بين المؤلف الذي يبدع النص الشعبي والموسيقي الذي يكسوه اللحن والمؤدي الذي يؤديه والمتلقين الذين يستمعون إليه ذلك أن الخطوط الفاصلة غير واضحة إلى حد كبير.
ومن الانتقال الشفاهي الذي يميزها والذي يعد في نظر كثير من الباحثين أكثر خصائصها صدقاً في التعبير عن طبيعتها الأساسية، ومن المألوف أن نجد المغنين أو العازفين لا يعرفون أصل ما يؤدونه، فجميعه ينتقل شفاهاً أو سماعاً من جيل إلى جيل ومن فرد إلى فرد في إطار تقاليد وأعراف وأساليب خاصة بالجماعة ذاتها تتميز بالمرونة، وربما لذلك بدا الدارسون في مرحلة من المراحل أنه من المستحيل عليهم الحصول على أي معلومات دقيقة عن إدراك أيا من هؤلاء المغنين للأسس التي يقوم عليها أداؤهم، لكن الدراسات الموسيقية أثبتت أنه ثمة أساليب متعددة للتعليم والتدريب تعرفها الحياة الموسيقية الشعبية وتعد مصدراً أو مرجعاً لاكتساب الخبرة.
مناسبات الفرح
كثيراً ما تستقدم الأسر في الزفاف والخطوبة والحج والطهارة وغيرها من مناسبات الفرح الفرق الشعبية التي تضرب على الدفوف والصاجات وتعزف على المزمار، بل إنه في العديد من المناسبات كعيدي الفطر والأضحى تتجول في الشوارع فرق شعبية بسيطة مصحوبة برق وطبلة كبيرين مع مزمار تهنئ الناس.
محمد الحمامصي

