ربطت الفنان القطري يوسف أحمد بالفن التشكيلي صداقة متينة ترجع إلى بدايات تشكل وعيه في مرحلة الطفولة، لتتجلى في الفن التجريدي والحروفية. ويعتبر أحمد من رواد حركة الفن التشكيلي المعروفين على صعيد العالم الغربي والعربي، ومن الذين ساهموا في نهضة الفن في بلده.

وقد بيعت أعماله في مزادات كريستيز في دبي منذ أول مزاد لها قبل أربع سنوات، كما اختارت أربع لوحات له في مزادها الأخير في شهر أبريل الماضي. ويحسب للفنان أحمد مشاركته البارزة في اختيار لوحات متحف الفن العربي المعاصر الذي أسس في قطر عام 2005.وخلال مشاركته في معرض «آرت دبي 2009» التقت به «مسارات» لرصد تجربته الفنية. وقال عن مشاركته وانطباعه عن الدورة الثالثة لمعرض آرت دبي، «لست غائبا عن نشاطات دبي الثقافية، فهي تشهد إلى جانب نهضتها العمرانية نهضة ثقافية فنية على مستوى عالمي. فآرت دبي معرض عالمي بمختلف المعايير مقارنة بالمعارض التي زرتها مثل معرض «فياك» في باريس ومعرض «آرت بازل العالمي» في سويسرا وبينالي فينيسيا».

في التجريد

اختار أحمد منذ البداية الأسلوب التجريدي الذي وجد نفسه فيه منذ الطفولة ليتطور مع تجربته إلى بحث وتأمل. وتتميز لوحاته بصورة عامة برسوخ التكوين وهيمنة الألوان الترابية التي تجمع بين الدفء والعمق عبر تقنيات خاصة به تجمع بين أنواع مختلفة من الألوان، وتمثل لوحاته الأخيرة التي عرضت في «آرت دبي» صفحة من كتاب قديم مع حروف ترمز إلى تعليقات على هوامش الكتاب كما كان عهد العلماء في الماضي.

ومن أعماله الأخيرة لوحة «هو» التي استخدم فيها عجينة الورق الخام بتقنية عالية من الدقة حتى يكاد المشاهد أن يجزم أنها صورة ملتقطة بعدسة الكاميرا وليست لوحة بريشة رسام لما تتضمنه من تفاصيل إبداعية في غاية الجمال والتماهي.

طفولتي مع الجدار والفحم

قال عن بدايات اهتمامه بالفن، «أول خامة استخدمتها في طفولتي كانت الفحم. وكنت أحصل عليها من المطبخ بعد انتهاء والدتي من طهي الطعام، إذ كنا في الخمسينات نستخدم الحطب كوقود لطهي الطعام. ونظرا لكوني الصبي الأول بعد ثلاث بنات كنت ملتصقا بثوب أمي في كل تحركاتها. وهكذا كنت أتناول الفحم من الموقد و«أشخبط» على جدران البيت.

ونظرا لكوني المدلل وكان عمري حينها أربع أو خمس سنوات، كانت أمي متسامحة معي وكذلك الأمر مع والدي الذي كان يعمل في شركة النفط في «دخان» البعيدة عن الدوحة، إذ لم يكن يؤنبني أو يعاقبني لدى عودته كل اسبوعين ورؤية جدران الفحم»، وأضاف «وهكذا رافقني الجدار والفحم الأسود طيلة رحلتي الفنية وحتى الآن».

«في بداية الستينات نظمت أول معرض فني في دهليز بيت العائلة، وكان لمجموعة من صور الطبيعة الجميلة التي جمعتها من الروزنامات التي كان يأتي بها والدي من شركة النفط والتي كانت تطبع في بريطانيا، وبعد أن قصصتها وساعدني والدي بعد قصها على تعليقها على جدران الدهليز بالمسامير السوداء التي كانت تستخدم في صناعة «النعال»، ثم كتبت الدعوات ووزعتها على أبناء وبنات الجيران الذي جاؤوا لزيارة المعرض».

وأوضح أنه عندما دخل المدرسة الابتدائية اكتشف لأول مرة علبة الألوان التي تضم 12 قلما خشبيا وفرشاة التلوين بعد الفحم وقلم الحبر «كوبيا» وقال، «كانت حصة التربية الفنية والأشغال ذات أهمية، ومن أمتع المواد بالنسبة لنا، إذ كان المدرسون يشجعون الطلبة على الرسم والإبداع، وأذكر أنهم كانوا يطلبون مني الوقوف على طاولتهم ليصفق لي الطلبة حينما أرسم شيئا جميلا».

بابا حطاب

أهم ما في تلك المرحلة والتي كان لها تأثيرا كبيرا عليه كما قال، «محطة التلفزيون الوحيدة التي كانت تبث من شركة آرامكو في الظهران، والتي كانت تعرض بعض الأفلام العربية والأميركية المدبلجة وعلى الأخص برنامج الأطفال «بابا حطاب» الذي كنت أتابعة بشغف في أواخر الخمسينات وبداية الستينات. وكان لحكايات بابا حطاب المحببة والأشغال الفنية أثرا كبيرا في تنمية مخيلتي وكذلك البوسترات الخاصة بالأفلام العربية مثل بوستر فيلم «صراع في الوادي» لعمر الشريف وفاتن حمامة وغيرها، والتي كنت أعيد رسمها على جدران البيت.

بين القاهرة وكاليفورنيا

في القاهرة أراد دراسة الفنون الجميلة، لكن وزارة التعليم كانت بحاجة لتخصص التربية الفنية، وقال، «من حسن الحظ أني درست التربية الفنية إذ تعرفت على جميع الخامات التي تستخدم في الفن كالورق والمعدن والخشب. كانت القاهرة بمثابة انفتاحي على عالم الفن حيث التقيت بالعديد من الفنانين الذين كنت أسمع عنهم مثل عمر خليل، كما زرت المتاحف لأول مرة مثل متحف الفن الحديث والمتحف الإسلامي والمتحف القبطي وفيها رسمنا «اسكتشات» وقدمنا العديد من الدراسات».

وأشار إلى أنه في السنة الأخيرة عام 1975 نظموا أول معرض لطلبة التربية الفنية، وعاد بعد دراسة أربع سنوات إلى قطر ليعمل موجه تربية فنية لمدة عام ليصبح بعدها رئيس قسم الفنون التشكيلية في وزارة الإعلام، ومن ثم إلى كاليفورنيا حيث درس الفنون الجميلة وحصل على الماجستير عام 1982.

وقال عن فترة تواجده في الولايات المتحدة لمدة أربع سنوات أيضا، «شاركت خلال دراستي في العديد من المعارض الفنية، وقدمت معرضا في «وورلد بنك» في واشنطن وفي نيويورك وحققت أعمالي هناك نجاحا لا بأس به».

جمعية أصدقاء الفن

في الوطن بعد عودته درس في جامعة قطر مدة 20 عاما إلى جانب كتابته في مجلة الدوحة وعمله كخطاط ورسام في دار العروبة. جدير بالذكر أن معرضه الفني الذي نظمه في الدوحة في مارس 1977 كان أول معرض لفنان قطري. وذكر أنه في بداية الثمانينات أسس مع أصدقائه «جماعة أصدقاء الفن التشكيلي» التي ضمت ما يقارب من 18 إلى 20 فنانا، ثلاثة من قطر وأربعة من الكويت وفنانة من الإمارات انضمت إليها الدكتورة نجاة مكي لاحقا وخمسة من عمان وسبعة من السعودية، ونظموا في البداية معارضا لهم في كل من الكويت ومصر وسوريا، لتنطلق بعدها أنشطتهم في مختلف أرجاء العالم العربي.

الفن بين الماضي والحاضر

قال عن مكانة الفن التشكيلي في قطر والبلدان المجاورة بين الأمس واليوم، «كان الناس ينظرون إليه بحس فطري عفوي عبر الفن التطبيقي كالقدر المزخرف وإناء الورد والتطريز وفنون الحناء والفخار والمراكب.

أما المفهوم الغربي للفن التشكيلي المتمثل في اللوحات فقد دخل مع الطفرة الاقتصادية لدى اكتشاف النفط. وقال، «لم نكن نتصور نحن الفنانين في المنطقة أننا سنرى في يوم ما لوحات بيكاسو أو شاغال تعرض عندنا. في الماضي كنا نسافر إليها وباتت في الحاضر تاتي إلينا»، وتابع «كما أود الإشارة إلى أن الفنانين العرب لا يقلون مهارة وكفاءة عنهم في الغرب، والدليل على ذلك أن الفن في الشرق الأوسط بات محور اهتمام الغرب من نقاد ومقتني لوحات وشركات المزاد أيضا».

متحف الفن العربي المعاصر

بدأت مشاركته في تأسيس متحف الفن العربي المعاصر من خلال معرفته بالشيخ حسن آل ثاني الذي كان تلميذه في جامعة قطر، وقد ساعدته صداقاته مع الفنانين من مختلف أرجاء الوطن العربي في تزويد المتحف بأهم الأعمال الفنية، وقال بهذا الشأن، «استثمرت صداقاتي على طول الوطن العربي، لاقتناء الأعمال العزيزة على قلوب الفنانين التي يعتزون بها ولا يستغنون عنها، وهي أعمال مهمة جدا.

كنا قد بدأنا بجمع اللوحات في الثمانينات حيث انتقلت المجموعة من الشيخ حسن إلى مؤسسة قطر ويقارب عددها من 13 ألف عملا من جميع الفنون لتنتقل بعدها إلى متحف الفن العربي المعاصر. ويتميز هذا المتحف يجمعه لتاريخ الفن العربي، كالسوري والمصري والعراقي وغيره، حيث يقدم المتحف أعمال الفنانين الكبار من بداية تجربتهم الفنية وأوسطها والحديثة، كما يضم لوحات نادرة لا تعرف في الساحة الفنية. وختم الحوار بقوله، «وبذا فإن مجموعة المتحف تمثل أكبر مجموعة للفن العربي في العالم، نظرا للمنهجية التي اتبعتها».

الفنان في سطور

*ولد الفنان يوسف أحمد في قطر عام 1955

* درس التربية الفنية في القاهرة وتخرج عام 1977

* شارك في المعرض الأول لطلبة القطر بالقاهرة في عام تخرجه

* درس الفن التشكيلي في كاليفورنيا ونال الماجستير عام 1982

* شارك في العديد من المعارض خارج قطر منها المعرض القطري في باريس عام 1978

* حصد العديد من الجوائز منها الجائزة الأولى لمهرجان بغداد وجائزة المحكمين في بينالي أنقرة في تركيا عام 1986، والجائزة الكبرى لبينالي بنغلادش للفن الآسيوي المعاصر عام 1999

.

رشا المالح