عوامل التقاء عديدة تجمع بين مسرحيتي «الفطام» لمسرح حتا ، و«حاميها حراميها» لمسرح الفجيرة القومي اللتين قدمتا خلال الدورة التاسعة عشرة لمهرجان ايام الشارقة المسرحية في الفترة من 17 إلى 27 مارس 2009 ، وهما العرضان اللذان حازا زبدة الجوائز في المسابقة الرسمية، بالاضافة إلى رضا الجمهور والنقاد. هنا قراءة في العرضين اللذين تقاربا أو تباعدا في اسلوب الفرجة والموضوع.

عرض «الفطام» للمخرج والمؤلف علي جمال حصد اربع جوائز هي: افضل ممثلة دور اول للممثلة بدور وافضل ممثلة دور ثاني للممثلة اشواق، وحصد جائزة الديكور وجائزة افضل مؤثرات ضوئية.. فيما حصد عرض «حاميها حراميها» على جائزة افضل عرض مسرحي وجائزة الاخراج لمخرجها حسن رجب وجائزة التمثيل للدور الرجالي الاول وحصل عليها الممثل جمعة علي. والمسرحية من تأليف الكاتب اسماعيل عبدالله مأخوذة عن المسرحية العربية الشهيرة «حفلة على الخازوق» للكاتب المعروف محفوظ عبدالرحمن..لماذا حصد هذان العرضان زبدة جوائز الدورة 19 لأيام الشارقة المسرحية؟ وكيف التقيا في مفاصل مشتركة لها علاقة بعملية التلقي وصناعة الفرجة المسرحية؟

للاجابة عن هذين السؤالين سيكون من المهم قراءة وتفكيك الحالة التي تحققت عبر الاتصال المباشر والمؤثر بين خشبة المسرح وما كان يعتمل فوقها وبين الجمهور.

عرض «الفطام» بدأه مخرجه علي جمال بطقس بصري اشبه بسراديب في عتمة، دخان كثيف انتشر في المكان حتى قبل ان تطفأ انوار صالة الجمهور. وعلى صوت رعد وبرق بدأ يفتت هذه العتمة عبر حركة ممثليه البطيئة، ثغاء طفل رضيع لا نراه، ام تهدد ابنها الذي استحضرته في خيالها وهي ملقاة على حافة سرير هو اشبه بالقارب، سرير خشبي ذا اعمدة، يشبه النعش ومساقط اضاءات على اليمين واليسار، في الطقس كان العرض يجر احداثه إلى تأزماتها وعبر حكاية امرأة عاقر وزوج يعشقها حد الجنون.

وهي تبادله العشق نفسه، لكن الخوف ينزع من قفصها الصدري عظامه واحدا تلو الآخر، الخوف من القادم، الخوف من الرجل لا الحبيب، الرجل الشرقي بالذات الذي يبحث عن ولد، خليفة يخلفه في الارض..لا يتقدم لنا حكاية النص اصرار من الزوج على هذا الامر، لكنها المرأة حينما تبتلع لعنتها وتمضي..تخشى الزوجة من الغامض الذي ستأتي به الايام وهي ارض بور لا يحصد فيها زرع..امرأة جميلة لكنها خاوية بلا ثمر. ومن هذه التمزقات ارتكز تأسيس الفرجة.

وهو الامر الذي يحسب للاخراج وهو يدفع بعناصره إلى بلورة فرجة متراصة لا تملأها الثقوب..انشد الوتر قويا بين خشبة المسرح، مكان وقوع الاحداث، وبين صالة المتفرجين فالتحم الجميع في سيرة العرض..امرأة عجوز مقطوعة الرجلين تزحف على الارض هي المشعوذة التي ستلجأ اليها الزوجة وبالحاح لتجعل من بطنها حقلا للبنين، لم يكلف ذلك الرؤية الاخراجية عناء كبيرا، فنحن امام السرير الذي يشبه النعش في تلك العتمة.

وعلى جانب المسرح تجلس تلك المشعوذة، بتدرجات العتمة، خلقت فرجة «الفطام» امكنتها، فكان الفاصل واضحا بينها وان لم تخرج من المكان نفسه، وهذه هي طبيعة المسرح، وطبيعة الخشبة التي تحتمل الازمنة والامكنة وتداخلاتهما..هذا النسيج في البناء الرؤيوي للفرجة هي التي صنعت ذلك الوهم الحقيقي..تنتظر الزوجة المطر، يطرق الرعد باب السماء، تصرخ وتبكي تنادي الولد الذي لا بد ان يأتي وينتشل امه من التيه القادم.. هذا الرجل شرقي يريد خليفه له في الارض، هكذا يتنازعها هذا الحد الجارح من حقيقة كونها جسدا فارغا رغم الحب.

التعاطي مع الشعوذة جعلها اقرب إلى الجنون، ففر الزوج من حديقتها، تزوج في ليلة هجينة من فرح وحزن..ففي مشهدية من مشهديات العرض المؤثرة والتي صفق لها الجمهور طويلا، اسس علي جمال المخرج مفارقته على ثلاثة من عازفي الطبول الذي ادوا طقس الزار وهم يطهرون الزوجة من عذاباتها ومن الشياطين التي سكنت حديقة جسدها، فيما يتزوج الزوج من زوجة جديدة، ستكون ارضه الجديدة ومن ستنجب له خليفته المنتظر، وعلى ايقاعات الطبول المتداخلة ينفصل ايقاع الزار ليزف الفرح الجديد وتجلد الزوجة المسكونة بالجنون ذاتها ونفسها.

.ترعد السماء كثيرا، فيسقط المطر الذي انتظرته طويلا..يولد الابن فيحمله الزوج ويقدمه هدية لها..علي جمال لم يكتف بأن يكون مشهد تساقط المطر عبر اختراعات وخدع بصرية ، لكنه جسده حقيقة حينما بدأ سقف المسرح يهطل بالمطر، بالماء ويبلل تلك المشهدية العالية في آخر دقيقة من العرض..

حصد «الفطام» جوائزه الاربع اتكاء على ممثليه بدور في دور الزوجة واشواق في دور المشعوذة وعبدالله سعيد في دور الزوج، مثلما اتكأ على مفردة غاية في الاهمية هي الديكور الذي نسجته فصول الفرجة التي ارادها علي جمال..فهذا السرير النعش، يتحول مركبا وساحة البيت او غرفة النوم بحر وامواج متلاطمة، وامكنة عديدة.

فتحولت مفردة الديكور إلى ما يشبه آلة الكونترباس تدفع بدفئها وتأثيرها جريان الشحنات الشعورية وتدفق الرؤية البصرية إلى الاعلى..انتشى الجمهور بلحظات التطهير عند شخصيات العرض، وما فعلته السينوغرافيا في مجملها في بناء تلك اللحظات وتراكيبها المتصاعدة. فاستحق التصفيق الحاد.

المرأة قاسم مشترك بين عرض الفطام وعرض حاميها حراميها، والفرجة المدروسة بعناية هي الأخرى جانب اشتراك يتقاسمانه كذلك، والأداء المندفع إلى عمق التجسيد والتقمص ساد على اداء الممثلين في العرضين..

فاذا كان «الفطام» للمخرج علي جمال قد حقق جوائزه الاربع بالاتكاء على التفاصيل المتناهية في الصغر في بناء مشهدياته البصرية، فان عرض حاميها حراميها حقق التكاملية في مجمل تفاصيله فاستحق الجائزة الكبرى، او جائزة العرض المسرحي المتكامل مضافا اليها جائزة الاخراج للمخرج حسن رجب وجائزة التمثيل للمثل على جمعة الذي استندت عليه الجرعات الكوميدية وفي إثارة المتفرجين، فالتكاملية هنا يمكن سبرها من خلال اوجه عدة..

فعرض حاميها حرامها يستند اولا على نص مشهور يتموضع على الرفوف الامامية لمكتبة المسرح العربي، فمسرحية «حفلة على الخازوق» التي كتبها الكاتب الشهير محفوط عبدالرحمن تقدم على طبق من ذهب فرجة عالية من خلال مفارقاتها الذكية، والتعرية القاسية التي تقوم به وهي تعري الفساد في السلطة..نص له تاريخ طويل على خشبات المسرح العربي وكان اغراء لمخرجين كبار من امثال المخرج الكويتي صقر الرشود في بداية الثمانينات، وموضوع قائم وابدي لا ينتهي.

فالفساد الاداري في السلطة آفة تنخر العدالة والمساوة وتفجر براكين الاحتكار والاستغلال والاستعباد..نص يستند على موضوعة قابلة لكل زمان ومكان، ذهب اليها قلم الكاتب اسماعيل عبدالله ليستقي منها ما يمكن ان يكون سبابه تدين مظاهر مشابهة في الواقع. اما المخرج حسن رجب فقد استند إلى فلسفة التكثيف وتخليص مكان التمثيل من كثير من العوائق، فالستارة هي علقها على يسار المسرح ستكون دلالة كافية للعبور من مكتب رئيس السجن، إلى مكتب المحتسب، فالامر لا يتطلب سوى ان تكبر الستارة في كل مرة تلقي بنا حكاية العرض إلى المستويات التراتبية في السلطة..

فكلما يكبر المسؤول تكبر معه تلك الستارة، فيما يبقى المكتب هو الوحيد الذي لا يتغير ولا يتبدل..بهذا الاختزال وفي طقس قريب من الاحتفالية ومن خلال المؤثرات الموسيقية التي تقاربنا من يومياتنا تبدأ حكاية الفتاة التي ذهبت لمسؤولي المدينة لكي تفك اسر زوجها المسجون ظلما وبهاتنا، ولكن لأنها امرأة تجد نفسها المطموع فيه في كل مرة حتى ينتهي بها المطاف إلى فكرة ان تجمع هؤلاء المسؤولين الفساد في بيتها وتستدعي الوالي لكي تكشف له عن معادنهم..

من المعروف ان اهم مشهد، او لب العرض في مسرحية «حفلة على الخازوق» هو مشهد الصناديق التي يختبئ فيها المسؤولون والنجار الذي صنعها بشكل هرمي مقلوب، حيث النجار في الاعلى ومن ثم تتوالى الحسبة.. وفي مسرحية «حاميها حراميها» يحدث الشيء نفسه حيث يبدأ مشهد الصناديق وبتصرفات رؤية اخراجية تدرك غاياتها ومضامين المدلولات التي من بين يديها، بايقاع مرفوع على رافعة الكوميديا والاداء التمثيلي الساخر، فيما الدلالات تتساقط من فوق قمة الصندوق.. تكامل عرض حاميها حراميها لتقولبه في منظومة واحدة لم تنفلت اجزاؤها.. ولأنها لعبت على إيقاع صالة المتفرجين، فقد كانت فرجة مراوغة، ولماحة إلى ابعد الحدود..

لماذا الفطام؟ ولماذا حاميها حراميها؟ هذا السؤال لا يمكن الاجابة عنه وايام الشارقة المسرحية في دورتها 19 قد مضت وراحت تعد نفسها لكرة ثانية في العام المقبل، لكن يمكن التأشير فقط إلى ان من لاحظ تعاطي جمهور الصالة مع هذين العرضين، ذلك التعاطي اللحظي، التأثيري، المتفجر في حينه، سيدرك ان تلك الفرجتين لم تكونا سهلتين مطلقا.

تفتيت العتمة

عرض «الفطام» بدأه مخرجه علي جمال بطقس بصري اشبه بسراديب في عتمة، دخان كثيف انتشر في المكان حتى قبل ان تطفأ انوار صالة الجمهور. وعلى صوت رعد وبرق بدأ يفتت هذه العتمة عبر حركة ممثليه البطيئة، ثغاء طفل رضيع لا نراه، ام تهدد ابنها الذي استحضرته في خيالها وهي ملقية على حافة سرير هو اشبه بالقارب، سريرا خشبيا ذا اعمدة، يشبه النعش ومساقط اضاءات على اليمين واليسار.

مرعي الحليان