نظر بعضنا إلى بعض مدهوشاً

معقول..

لا غير معقول

فـ (أمل) فيه ألف علة وعيب.. تنقصه صفات فروسية المنبر وشهامة المظهر وبلاغة المخبر وهو، إضافة إلى هذا، يفتقر إلى صفات الخطابة وحسن الهيئة وشرط السن والضرس .. أمل يلثغ، ماسخا الراء لاما، ويخنخن بسبب وتر «الصول» المرتخي في الأنف، أو لسان المزمار المتدلي في سقف الحلق، أي أن حاله أسوأ من حال ماري أنطوانيت بما لا يقاس.

أمل في الصف العاشر، أي تنقصه سنتان حتى يدخل في (التصفيات الشرعية)، فليس مضمونا أن يصير متفوقا في شهادة الثانوية العامة، كما هو الآن متفوق في جميع الصفوف الانتقالية. وتفوقه في جميع الصفوف، يحتاج إلى توضيح وتفسير فأسبابه معروفة للقاصي والداني والشاطر والكسلان: فأمه تشرف على تدريسه،يساعدها مدرس التاريخ، في غير مقابل، فهو (ابن ضيعتهما) وقد تسرب له الأسئلة أحيانا، وقد حدث ذلك مرة أو اثنتين بسبب تواطؤ أمين سر المدرسة، وبما انه لم يعرف حلها فقد أخذها للأول جلال حتى يحلها له.

وقد يتسامح معه بعض المراقبين في قاعات الامتحان، في كل ولد امتحاني له قرص و«بولة»؛ ففي كل امتحان يخرج لبيت الخلاء في كل فحص، عندما تعسر عليه هضم الأسئلة يصاب بإسهال مفاجئ و يطلب (الصيدلي) الإذن بالخروج، ليهضم أجوبة الأسئلة التي يهربها على «روشتات»؛ وهي وريقات صغيرة المساحة، يخرجها في بيت الراحة ثم يعود مرتاحا، بيت الراحة صار اسمه بيت المعرفة.

القوانين الامتحانية تبيح استعمال بيت الخلاء للضرورات لكنها مشروطة بشروط أهمها مرافق يمنعه من الاختلاء التام . كانت المرة الأولى في تاريخ امتحاناتنا أن نرى ونسمع بطالب يستفيد من هذه الضرورة في معظم الامتحانات، فأحسنّا الظن وقلنا: مريض.. ربما مثانته ضيقة، ربما عنده حصر بول بسبب الخوف..

وكما ترون الحلو لا يكتمل لأحد.. متفوق ولكنه مريض بالحصر البولي..هكذا عزى زملاؤه أنفسهم؟

(أمل أطبق) واللقب خلعه عليه مدرس التاريخ مستعيرا إياه من الخليفة موسى الهادي والذي كان في شفته تقلص، لخنخنة السيد أمل..الذي كان تحت عناية أمه التي لقب من اجلها (بابن الكبا )، كان مجتهدا «بالقوة» وليس مثل زملائه «الشاطرين» بالفطرة، يدّرس من قبل مدرسين خاصين في زمن لم نكن نعرف غير المدرس العادي في المدرسة،.

وهو، والحق يقال، أنيق، بل أكثر زملائه أناقة، وهو على أناقته الظاهرة التي مردها الغنى والسلطان لا الذوق، يشكو من صفات جسدية منفرة، أو على الأقل غير مستحبة، مثل كبر أذنه اليمنى التي منحته لقبه (أذن الفيل)، والتي تبدو، بالمقارنة مع أذنه اليسرى الصغيرة الملتصقة بقحف رأسه وكأنها مكوية بمكواة الهية. وهو يشكو من صفة أساسية تجعله «لا منبريا» وهي الخجل..فهو خجول بحكم العزلة العاجية التي فرضتها عليه والدته السيدة «كباء» مديرة نقابة النساء المتحدات، أمه تبقيه تحت ظلال رعايتها حتى لا يفر مثل أخيه الأكبر الذي أوفد باكرا إلى احد دول أوروبا الشرقية فخرج ولم يعد.

أو ربما كي لا يفسد بأخلاق السوقة والرعاع والرعية أمثالنا ويعدى بأخلاقنا وسلوكنا، نحن أبناء الشوارع والأزقة..أمه جعلته خفرا مثل العذارى وربات الخدور.. فطابق رسمه اسمه المجازي لغويا والمؤنث عرفيا.

أمل المفتقر «سيتولى» كلمة المتفوقين أمام السيد رئيس البلاد..أي مجد سيحظى به الغلام.. فالكلمة ستنقل على أثير الإذاعات السمعية وربما تنقلها البصرية كما سمعنا.

«الولاية»، كما تقول التقاليد التربوية، تكون لأحد المتفوقين في الثانوية العامة، لأعلاهم درجة وعلامات..

خاصة أن رئيس البلاد، رجل فصيح ويقرض الشعر ويتعاطى الأدب و فن الخطابة، وله مؤلفات وتصانيف..وهي خصلة يفتقر إليها الكثيرون من زملائه الرؤساء..

إنها مهزلة...

رئيس البلاد سيزور البلدة للمرة الأولى وسيحتفل معنا بمناسبتين هما: عيد الشهداء أو يوم الشهداء كما تفضل التسمية والاحتفال بمتفوقي الجمهورية في الوقت عينه.

اجتمعنا مع المتفوقين (مصطفى حنوان) و(جلال بيكا) اللذين حازا مجموعا يقل عن المجموع العام بثلاث علامات فقط لا غير، والطالبة (سمر شيخان) التي حصلت مجموعا كبيرا وان لم تلحق بالعشرة الأوائل في الجمهورية.. لنتشكى ونندب..

قال مصطفى: سيكشف الرئيس المهزلة من جملة «الغلام» الأولى سيتحول الاحتفال إلى مأتم.

قال جلال: يجب أن نعمل شيئا

أمل يتجاوز القوانين والأعراف والتقاليد والأصول والأسس.. الكلمة كان يجب أن تكون للطالب جلال أو للطالب مصطفى اللذين حازا أعلى علامات في الجمهورية جلال ومصطفى، جديران بهذه الكلمة، سمر المتفوقة الثالثة في الاقليم، الطالبة الوحيدة التي حولت فرعها من الأدبي إلى العلمي في بلدتنا، فدرست مع الذكور، فجميع الطالبات في بلدتنا يدرسن الفرع الأدبي .. قد تكون الأولى من الجميع بهذه الولاية وان كانت تقل عنهما بثلاث عشرة، فهي من الفصيحات وتقرض الشعر وتكتب الخواطر ولها خاطرة منشورة في إحدى الصحف، ثم إنها من القوارير، من الجنس الناعم، الأمر الذي يمنحها تزكية أخرى لها حسب الأعراف السائدة. ثم أن صوتها أكثر إطرابا من صوتي مصطفى الإسلامي و جلال الشيوعي.

كيف ارتقى أمل هذا المرتقى السبب هو الأسماء الخمسة التي تعرب إعرابا خاصا، فلأمل (أب) يشغل موقع الموجه التربوي الأول في المحافظة، و(حم) هو والي الإقليم، (وأخ) يعمل قائدا للشرطة. إضافة لذلك أمل (ذو) مال ومحتد وجاه ينقصنا نحن أبناء غير الأكرمين، غير الممنوعين من الصرف، لكن الحلو، بالنسبة له، لا يكتمل، (ففوه) سيخذله .وقال المتفوقون: عسى أن يخزيه (فوه).

كان جلال ومصطفى والطالبة سمر، سيشفّعون وجهاء البلدة وأشرافها من أئمة، وملالي، واقيال.. لكن المشكلة أن الأسماء الخمسة كلها، من خارج البلد والاتصال بها صعب!

كان مصطفى قد ضمن الخطبة وهاهي تطير من بين يديه، فمصطفى ابن خطيب الجامع الكبير في بلدتنا، وخطيبها الاحتياطي، وقد خطب فيها حتى الآن عشرين خطبة ولولا البكالوريا لخطب فيها ما لا يقل عن ثمانين خطبة، وهو شاب مفوه، ورشيق العبارة، يحفظ كثيرا من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية، والأشعار والأمثال ويستعرض كتبا غير دينية في مكتبة أبيه مثل أصل الأنواع ورأس المال.. والمصلون يفضلون خطبته الحماسية على خطبة الأب الرتيبة التقليدية.

ربما طرحت أسماء المتفوقين الثلاثة على الأسماء الخمسة فخافوا أن يبدأ مصطفى خطبته بجملة: أيها المؤمنون أو أن يبدأ جلال خطبته بجملة: أيها الرفاق الماركسيون.

مصطفى قال: غير معقول أن اخطب في العامة بهذا الخطاب وان كانوا مؤمنين.. جلال قال: غير معقول أن افعل هذا.

شمتنا، قلنا لهم نحن الطلاب الحاسدين والغيارى: عادي يا شباب.. المسألة شكلية، المهم أنكم ستنالون التهاني وتصافحون الرئيس وتدرسون في الجامعة على حساب الحكومة..هل تريدون العنب أم جعل أمل لا محل له من الإعراب؟

لمن سنشكو المستثنى بألا؟ لقائد الشرطة، للعمدة، لرئيس الجمهورية الذي سيكون موجودا؟ اشتكيا له أيها المتفوقان..

بدا الحزن مخيما بظلاله على البلدة، كما لو أن الحداد أعلن في »عيد« الشهداء في كل البلد.. بالرغم من رغم شماتة الراسبين، والمتفوقين الغيارى، والحساد من أمثالنا، فإن البلد برجالها ونسائها، وشيوخها وصبيانها وطيورها تعاطفت مع المتفوقين الثلاثة الذين اعتبروا شهداء أحياء، وسددت نظرات صامتة شزراء من أعين الناس باتجاه قصر العمدة، ومكتب قائد الشرطة، وبقية (الأسماء الخمسة) وانهمرت الدعوات تدعو عليهم بالعقاب والوبال وان يرد الله كيدهم إلى نحرهم.

مدرس التربية الإسلامية، وكان أكثر المدرسين معارضة لما جرى، لسرقتهم »التاج« من مريده تلميذه النجيب :الظلم ظلمات يوم القيامة وأضاف : يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

مدرس التاريخ:هذا انقلاب غير شرعي على المتفوقين الشرعيين.

مدرس العربية: قال هذه أفعال ناقصة.

مدرس الموسيقا( وكان في أيامها مدرس الموسيقى وآخر للرسم) قال : نشاز

لكن اجراءت الاحتفال جرت في مركز البلدة غير آبهة بما يدور في بيوتها

اشرف الممثل والمخرج المسرحي الوحيد في بلدتنا النائية »سعيد ريزو« على تدريب أمل على فن الإلقاء.. تعب كثيرا كما قال لنا لاحقا، وتوقفت سجالات مصطفى وجلال، والتي كانت تشبه برنامج الاتجاه المعاكس الذي يعرض على قناة الجزيرة حاليا، سجالات حول وجود الله، واصل الإنسان هل هو قرد أم حمار، وعدالة الإسلام التي تعتمد على الزكاة والصدقة وتعد بجنة في السماء أم عدالة الاشتراكية التي تساوي بين الجميع وتجعل من الأرض جنة، وتحولت الجدالات باتجاه زيارة الرئيس، التي استنفرت له البلد أموالها وزينتها وأعلامها. فرصفت بعض الطرق، وغسلت أخرى ونظفت وشجرت، ودربت المدارس الابتدائية أفضل تلاميذها وأجملهن على أداء بعض الاستعراضات، والأناشيد الوطنية...

كانت البلدة الصغيرة بشهدائها الأموات وشهدائها الأحياء( المتفوقين الثلاثة) تغلي كخلية نحل، يختلط سمها بعسلها..

وفي يوم عيد الشهداء، حضر الرئيس لملاقاة المعري.

كانت مدرسة أبي العلاء المعري، فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة، قد اختيرت مكانا للاحتفال بالمناسبة المزدوجة، لكبر المدرسة وعراقتها:

حضر الرئيس بسيارة شيفروليه، بلا حرس، كيف عرفنا انه بلا حرس؟ من المثال الآتي: عندما مرّ الرئيس من شارع السوق المتعامد مع الشارع الرئيس الذي نسميه شارع المشاوير والتي كانت البلدية ترشه كل مساء لمشاوير الشباب العشاق، مرّ من أمام محل القصاب شكرو، على الزاوية والذي كان يذبح الأنعام على شرف الرئيس، وهي من تقديم وجهاء البلد وكرمائها ولم يكن »مشهد« شكرو الذي ستتندر به البلدة طويلا ضمن السيناريو، لأن كثيرا من فقرات البرنامج كانت عفوية..

المهم أن شكرو عندما رأى الرئيس لم يتمالك نفسه من الفرح والبشاشة فهجم عليه يحضنه وهو يقطر من دم الذبيحة وسكينه بيده ويقول: أهلا وسهلا ابو احمد (كنية الرئيس) نعم ..هجم عليه والسكين في يده وعانقه بحيث صارت السكين في ظهر الرئيس، والغريب أن الرئيس، والأصدقاء، والمرحبين والمحتفين لم يرتابوا في سوء نية، وقد احتضنه الرئيس مبتمسا ومسرورا، وتابع سيره..

في حضرة أبي العلاء جرت فقرات البرنامج كما هي مرسومة: قراءة الفاتحة على أرواح الشهداء، ثم قرع أجراس الكنائس، ثم أهزوجة مؤلفة للمناسبة باللغات الأربع لسكان البلدة: العربية والكردية والآشورية والسريانية.. ثم عرض مسرحي قصير أداه الممثلان سعيد الأحول وابن لوقو، يمثل العرض مقاومة الاستعمار ودحره. كان سعيد الأحول يمثل دور الاستعمار في هيئة حمار ويمثل لوقو دور المناضل الذي سيستشهد.. ثم جاءت كلمة الختام والتي سيلقيها بطل البلد يومها، صاحب الأسماء الخمسة.. وسيتلوها توزيع الجوائز وشهادات التقدير.

حبسنا الأنفاس انتظاراً للحظات الحاسمة..

صعد أمل المنصة، في الدرجة الأولى تعثر وكاد أن يسقط لولا أن سنده الساندون..

توجه (ابو غنة) إلى المنصة مترنحا من سكرة الحشود والانتظار.. وقف وراء مكبر الصوت، وبدأ إلقاء الكلمة المحفوظة.. تحشرج وخرج صوته منتوفا، ممزقا، ذابلا:

السيد العظيم.. السادة الموجودين..

مفاجأة .. فكاتب الخطاب حاول تجنب المفردات الرائية، كما كان واصل بن عطاء يفعل، تحاشها ما استطاع واستبدلها بأخرى وان كانت كلمات اقل بيانا ودلالة وبالتالي صارت أعظم نفاقا؟

تعالت ابتسامات مصحوبة بالشفقة، والحزن. أمل يمثلنا الآن، المتفوقون والكسالى، سكان البلد كلها، لن تعد تتمنى له سوى التوفيق والأمل وان كان ابن (الاكلمين)؟

سكت أمل وخشينا أن يطلب إذنا (للملحاض).. لكنه لم يفعل.. فحمدنا الله

واستمر وسعيد الأحول يلوح له من وراء الكواليس ويعض على شفتيه ويشير له بحركات يديه كي يقلدها..

تابع أمل كلمة الخطبة.. يحشرج، يقف في جادات الكلام السريعة ويسرع عند علامات الوقف اللغوية وفواصلها. والأسوأ أن صاحب الأسماء الخمسة عمل مجزرة مع الأفعال الخمسة، يعني كان يخطئ في إعراب الأفعال الخمسة يعني: أهالي البلدة (يرحبوا )بسيادة الرئيس، و (سيذكروا) هذه الزيارة التاريخية.. والشهداء في قبورهم (سيطيروا) بها فرحا..

انتهت الخطبة العسيرة،الشاقة، فتنفسنا الصعداء

وزع الرئيس الجوائز وقبّل المتفوقين الثلاثة.. وألقى كلمة قصيرة أشاد فيها بشهداء الوطن ومبرزيه وهنأهم وهنأ بهم الوطن..

انتهت الحفلة.. على خير كما ظننا.

فالمصائر كانت تراجيدية بعدها بأيام

فبدلا من أن يعاقب الرئيس (الأسماء الخمسة) ويقيلها ـ بعد أن دست سمر، أجرأهم، الشكوى في جيبه ـ اقيل هو بانقلاب اسود ! ثم تلاه جلال فدخل السجن بتهمة الشيوعية وخرج بعد ثلاثة عشر عاما، ليعمل سمكريا، ودخل مصطفى بتهمة الإسلامية ولم يخرج حتى الآن، ومن المعتقد انه انضم إلى الشهداء الذين احتفلنا بهم في ذلك اليوم المشهود.

بقيت ملاحظات كثيرة أهمها: أننا بعد أن شاركنا بتقويض خيمة الاحتفال وإعادة الأثاث والأمتعة لأصحابها المتبرعين انتبهنا إلى حبل مائي جاف، تفوح منه رائحة حمض، وراء المنصة!!

بعد سنوات ارتقى صاحب الأسماء الخمسة في المناصب بسرعة الطيارة بعد ان تطوع في الجيش طيارا: دحم نجوما من السماء وزيّن بها كتفيه . و صار لصاحب الألقاب الخمسة والأسماء الخمسة والأفعال الناقصة ( بال، خنخن، غش، ...)أسماء وألقاب كثيرة وأصبح يوزع الأوسمة والجوائز في المدارس والميادين ويظهر في التلفزيونات ويعتلي المنابر بلثغته، وخنخنته.. لكننا، نحن الذين نعرفه وخبرناه، لم نعد نغار منه أو نحسده، بل نشفق عليه، وعلى أنفسنا، وعلى البلاد والعباد .. فقد ارتقى مرتقى صعبا، وصار مبتدأ في كل جملة اسمية و..فعلية ! وأمسينا، خبرا، في سجلات الأرقام القياسية؟