«الوطن يعترف بفضل العظماء».. حروف بارزة، نُحتت على الواجهة الصخرية لمدخل البانتيون، وهو ما يُطلق عليه «مدفن عظماء الأمة الفرنسية». الفرنسيون يرفعون أنظارهم بكل فخر واعتزاز ليقرأوا تلك الحروف. يقع هذا المبنى ذو الأعمدة الصخرية القديمة، الأسطوانية الشكل، بالقرب جامعة السوربون، في الحي اللاتيني، يرقد كل من جان ؟ جاك روسو، وفولتير، وفيكتور هيغو، وأميل زولا وجان جاك روسو وجان مولان وغيرهم ممن منحوا عطاءهم لفرنسا بكل كرم وسخاء.

جدران بهو هذا المرقد الكبير مزينة باللوحات والتماثيل الوطنية، فلم يعد هذا المبنى تقليدياً وعادياً بكل المقاييس المألوفة بل مبنى أقام له الفرنسيون هذا الاعتبار والفخامة عندما قرروا أن يدفنوا عظماءهم فيه اعترافاً منهم بما قدموه لفرنسا. تمتد درجات السلالم الحجرية إلى باطن الأرض، في الطوابق السفلية. وقد مرت فوقها جنازات عظماء الأمة الفرنسيةالحرس بأزيائهم الزرقاء، ينتصبون مثل التماثيل بجوار البوابة الرئيسية وفي ساحة الأضرحة، يحملون مفاتيح ضخمة، في سلسلة حديدية طويلة، وينتظرون انتهاء ساعات الدوام لكي يغلقوا أبوابه الكبيرة.

ويأتي الزوار والسياح في جموع وطوابير يحتشدون أمام البوابة الرئيسية، حيث تختلج في نفوسهم رغبة غريبة وهي التنزه بين أضرحة الموتى من العظماء. يضاف إلى ذلك إن الأقبية التي تحتوي قبور العظماء لا تفتح أبوابها إلا في أوقات محددة لذا يضطر جموع الزوار والسائحين إلى الانتظار.وفي داخل جدران البانتيون، لوحات رخامية، نُقشت عليها أسماء علماء، أطباء، شعراء، أدباء أغنوا الحضارة الإنسانية. وتكشف هذه الجدران بما تحتويه من رسومات وتماثيل وسجاجيد عن تاريخ فرنسا بكل تفاصيله: انتصارات نابليون، الحروب ضد إنكلترا، الحربين العالميتين، الثورة الفرنسية، وغيرها من التواريخ الهامة، ومما يزيد هذه الأجواء كآبة.

بالإضافة إلى أجواء المقابر الظلال والإنارة التي وزعت في أركان الأضرحة تُشعر الزائر والسائح كما لو أنه يعيش في مسرح أبطاله فارقوا الحياة ولكنهم تتركوا ثرواتهم إلى الآخرين. هناك القبة الزجاجية، والألواح الزجاجية الملونة وما تختزنه من نور مخنوق، تجعل المكان رهيباً ومخيفاً في آن واحد. وإذا شعر الزائر بالتعب، يمكنه أن يتمدد على المقاعد المنتشرة في ساحة الأضرحة، وهو يستعيد حياة وأعمال العظماء الذين رحلوا عن عالمنا أمثال: من جان ـ جاك روسو، وفولتير، وفيكتور هيغو، وأميل زولا وجان جاك روسو وجان مولان الكسندر دوما الأب، وأندريه مالرو، وماري كوري وفولتير وجان جوريس وغيرهم.

لم يكن هذا المشروع ابتكاراً طقسياً، بل اندرج ضمن صيغ احتفالية تاريخيّة، وتعددت الجنازات الوطنية العلمانية مع الثورة الفرنسية، في نقل رفاتهم إلى هذا المبنى . ومنذ 1945، اقتصرت الجنازات الوطنية على رؤساء الدولة، لكن الميل إلى التكريم المتزايد قد عكس تطوّراً في أشكال العلاقة مع ميراث الماضي، فآخر المحاربين في الحرب الكبرى يحيلنا إلى «الجندي المجهول» الذي يلعب هنا دور الملهم . وبعد الجنازة الوطنية لفيكتور هوغو 1885، تحوّل «البانتيون» إلى مكان ذو أهميّة رمزيّة.

ولكن مدفن عظماء الأمة الفرنسية أثار جملة من الانقسامات في الرأي. ففي عام 1791، توفي ميرابو ... أحد زعماء الثورة الفرنسية، وهو ذو مكانة مرموقة في نفوس الفرنسيين. لذا ارتأى البعض أن تكون مراسم الدفن والحداد ليست كسائر المراسيم العادية تقديراً لشخصيته. فقد اقترح أحد نبلاء المجتمع آنذاك إلى تسجية جثمان ميرابو في البانتيون وسائر العظماء الذين يقدمون حياتهم في خدمة الفكر والعلم والسياسة، تخليدا لأعمالهم. وميرابو، أول شخصية عظيمة تكسر الطوق الذي كان سائداً.

وقد استجاب روبسبيير لهذا القرار إلا أنه لم يُدفن على الفور هناك لأن المكان لم يهيأ بعد للدفن. لذا فقد تم دفنه في مقبرة عادية إلى أن نقل رفاته إلى هذا المكان.

وبعد فترة وجيزة تم تحويل رفاته إلى مقبرة عادية ووضع مكانه جثمان صديقة مارا الملقب آنذاك بصديق الشعب، حين عثرت قيادة الثورة الفرنسية على وثائق سرية تتعلق بعلاقات ميرابو السرية بالملك، كما أن جثمان مارا لم يبق مدة طويلة فقد تم تحويله إلى مقبرة عادية أيضاً. أما نابليون الأول الذي توفي مسموماً في منفاه في جزيرة «سانتا هيلانة» عام 1821 فقد تأخر نقل رفاته إلى البانتيون حتى العام 1840 بسبب ممانعة أعدائه الانكليز في تسليم جثته إلى فرنسا.

وكان ألكسندر دوماس قد دُفن في إحدى مقابر قريته حتى عام 2002 لكن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك أمر بنقل رفاته إلى البانتيون في تابوت جديد مغطى بقماش مخملي أزرق في جنازة مهيبة نقل التلفزيون مراسيمها، بمرافقة جثمانه أربعه حراس يرتدون ملابس تشبه ملابس الفرسان في قصته الشهيرة «الفرسان الثلاثة.

وقد أثير النقاش حول بعض الذين تم دفنهم في هذا المرقد الكبير. وقد دعت شخصياتٍ كالنائب الاشتراكي ووزير الثقافة الأسبق جاك لانغ، في العام 2006، إلى نقل رفات الكابتن ألفريد دريفوس إلى البانتيون لكنها أثارت سجالاً كبيراً. فالقصة المأساوية لهذا الضابط - الذي أعيد إليه الاعتبار مؤخراً وجرت ترقيته - هي أحد رموز النتائج المدمّرة للاّسامية.

ونقطة الإثارة انصبت هذه المرة على تقييم الشخصيات التي تتوفى، وهل تستحق أن تُدفن في هذا المكان المهيب؟ وقد تمّ في النهاية التخلّي عن فكرة إدخال دريفوس إلى معبد «البانتيون» واستُبدل ذلك باحتفالٍ رئاسي على الرغم من أن فرنسا أرادت بذلك أن تشدد على أهمية مكافحة العنصرية ضد اليهود. وفي هذا المدفن هناك علماء مجهولون أمثال عالم الفيزياء، مارسولان برتولو.

ومن العجيب أن العدوين اللدودين فولتير وجان ـ جاك روسو دفنا إلى جوار بعضهما البعض، كما لو إنهما تصالحا بعد الموت !

ولا بد من الذكر أن ثوار كومونة باريس احتلوا هذا المكان، إلا أن فشل ثورتهم وإلقاء القبض على زعمائهم، أدى إلى إعدامهم على مدرجات البانتيون الحجرية. لذلك فهو يختزل تاريخ الصراعات في فرنسا.

وقد كان البانتيون مثار خلافات قانونية وقضائية مستمرة. ففي عام 1806، أصدر الإمبراطور نابليون بونابرت قراراً أعاد بموجبة البانتيون إلى الكنيسة الكاثوليكية إلا انه حافظ على طابعة المدني. وعندما عادت الملكية إلى فرنسا، زال الطابع المدني وعاد الطابع الديني، وتم إزالة اللوحات والتماثيل. فقد كان هذا المدفن العظيم عرضه للتقلبات المستمرة .. مع كل من لويس الثامن عشر، ولويس فيليب، ونابليون الثالث وغيرهما إلا أنه يبقى المكان الذي لا يختلفون فيه على قراءة العبارة التي نُحتت على واجهة المبنى «الوطن يعترف بفضل العظماء».

تقدير رئاسي

حين تولى الرئيس الفرنسي الراحل، فرانسوا ميتران، زمام الحكم، أول مكان قام بزيارته هو البانتيون حيث وضع إكليل الزهور على ضريح جان مولان، زعيم المقاومة الوطنية الفرنسية الذي استشهد على يد الألمان أبان الحرب العالمية الثانية.

شاكر نوري