تعيدنا الخربشة كفعل طفولي (فعل ولدنة بريء) إلى الزمن الذي يشملنا وهو منفتح على آخره، إنه زمننا العمري السعيد، حيث الخربشة ترجمان الفطري فينا، عندما نكون متصرفين خارج تلك القواعد الاجتماعية والثقافية المختلفة إذ تتطلب زمناً كافياً، لنتخرج من المعطف الدافئ والرحب للخربشة، لأن حركة اليد تتبع ما يكون عليه الشعور العفوي، ما ينشدُّ إليه الطفل وهو يتماهى مع صرير القلم مثلاً، ويسيل لعابه أحياناً، وكأن اللعاب مداده الفعلي أما الصرير فنوع من تأكيد الذات دون تحديد موقع أو منظور، بما أن المحصَّل طوع موهبة خاصة!
الخربشة وقوع حر في فضاء الحُلم، سباحة طليقة في ذات الفضاء دون النظر فيما يمكن أن يحصل، لأن من يخربش لا يمثّل حالة عداء للآخرين، إنه شخص يقف في مواجهة نفسه، يوسّع حدود طفولته الفائتة، يختبر قوته إذ يستفز فلولها لتعيش وحدة انصهارية وتبرق بقدر ما تمطر من الداخل. الخربشة ليست لغة، ليست تصرفاً رياضياً بالمقابل.
ليست دخولاً في سباق ما، لأن لا أحد يعلم ما يمكن أن تسفر عنه الخربشة. إنها فعل يغازل العماء، وبدقة أكثر هي بدءنا الدائم، لأن كل خربشة تكون نفياً قاطعاً دون الإعلان المباشر عنه لما هو اعتيادي/ عادي، ولكنها لا تخلو من سلوك طائش أحياناً، من استثارة لمَّاحة، كما هي الومضة، الخربشة لا تخلو هي ذاتها من شكوك تبقينا بعيدين نسبياً عن هذا المخربِش ونحن نتعالى عليه في دواخلنا، وفي أكثر الحالات سوية، نبتسم بسخرية واضحة، ثم نعود إلى ما انشغلنا به سابقاً.
بينما المخربش يمضي في فعل عمائه أو الانجراف في التيار المفقود الاتجاه للخطوط اللاخطوط وهي تضيق الخناق على المساحة المتبقية من الورقة أو أي جسم يتعرض لوطأة الخربشة عبر الوصل بين الهامش والمتن وحتى خارج الإطار دون أن نتوقع نتيجةً ما ترضينا، وهذا يتبدى في الكلمة ذاتها ونحن نلفظها، فهي في تركيبها لا تدل على أي شيء، هي فعل شقاوة، هدر للوقت وصرف للطاقة في غير مكانها، وربما نرتاب في سلوك المخربش ولو لبعض الوقت فهو يخاصمنا ونشتهي فعله صامتين.
إنه بذلك لا يعدو أن يكون تعبيراً عما يقيدنا من الداخل، فالخربشة هي الجانب الآخر فينا، جانب يستشرف طفولتنا المعاشة ونحن لا ننفك نشب عن طوقها، نبتعد عنها بتقدم العمر، بينما هي تنوّع في ذائقتنا الجمالية للعالم الذي ينبني على بدائل، بما أن الخربشة لا تتخذ اتجاهاً محدداً لها. إن المبدأ الوحيد الذي يمكّننا من فهم الفعل المحرّك لها هو غياب أي مبدأ محدّد، ونحن في تحفظنا أو هزئنا بما نراه، إنما نترجم السلوك الفعلي واليومي لنا، وهو يلتزم باتجاهات مرسومة وقواعد ضابطة لأفكارنا وحتى أحلامنا وهي تنمّي عما يرقد داخلنا من رغبات.
كل خربشة تكون لقيا المختلف، والطفل الذي يكون طفلاً حقيقياً، أو الذي نحاول استعادته ونحن في أوج اندفاعنا الإبداعي في ممارسة الخربشة يتم التأكيد عبره أو فيما نرجوه على كيفية تعميق المعنى، وربما بيان احتجاج على ما يجري فيما نفكر أو نسلك. المبدعون يقدّرون فضائل الخربشة.
ومن هم معنيون من أهل الدلالة أو علم النفس على بيّنة تامة مما تنطوي عليه الخربشة هذه من رغبات تسمّي أصحابها، ولكنها تقوم بالنيابة عن الكثيرين منا في إنجاز الروائع، وربما في هذا المطل الكبير للخربشة يمكن قراءة الكثير مما تم تحقيقه على صعيد التحولات في التاريخ، ليس في الفن والأدب والعلم فقط، وإنما في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى مغزى وجوده كونياً.
لكن ليس في وسع أي كان القيام بفعل الخربشة، فثمة مقاومة مضادة، بما أن البدء بالخربشة يعني تجلي الآخر وهو متحفظ إزاء ما يراه، حتى بالنسبة للطفل، فما بالك بالكبير، بالناضج، ونحن في وضعنا هذا، نمارس اعترافاً مرئياً بما اعتدناه، حيث الشك لا ينصبُّ على الخربشة، وإنما يطالنا، وكأننا نترجم ضيق أفقنا، أو خوفنا مما يحصل على مرأى منا وفي وضع جمعي.
والخربشة ذاتها باعتبارها سلوكاً فردياً، تضعنا أمام واقعة انعطافية كلما تحركت نحو نهاية هي بداية للثمار التي تأتي أكلها، حيث الخربشة في فوضاها المحسوسة، تتجه تدريجياً نحو المنتظَر، فكأنها تفكيك للعالم المستقدَم من الخارج، وإعادة تركيب بصورة أجمل، ولعل العالم الذي نعيشه ليس أكثر من العودة المستمرة إلى ذات الأشياء، كما هو مبدأ الطاقة الثابت كونياً، من الخربشة المستمرة، ليتسنى لنا الانتقال إلى وضع أفضل، ولكنه ذات العالم الذي يعنينا، سوى أنه يصبح معلوماً ما وقد كان مجهولاً ما!
إبراهيم محمود
