عُرفت صنعاء الحالية بأسماء عدة، أشهرها «مدينة سام» نسبة إلى مؤسسها الأول سام ابن نبي الله نوح (عليه السلام) والذي بناها بعد الطوفان، كما تعرف باسم «أزال» نسبة إلى «أزال بن يقطن» حفيد «سام بن نوح»، ولايزال اسم أزال معروفًا، وهذه التسمية وردت في التوراة، وأكثر الأسماء شيوعًا «صنعاء» ويعني المدينة الحصينة.
صنعاء حاضرة اليمن الخضراء وعاصمة البلاد السعيدة منذ الأزل، وهي أروع دليل على عمارة المدن الإسلامية عامة؛ فقد تميزت منازلها بطابع معماري يرجع في أصوله إلى عصور ما قبل الإسلام، وبعد الإسلام اصطبغ بنمط العمارة العربية الإسلامية، والحديث عن صنعاء هو عن سور عظيم مازالت آثاره شاخصة للعيان وعن بوابة عملاقة قديمة «باب اليمن»، وبيوت بالغة القدم تداخلت فيها وتمازجت معها النقوش الفريدة المبدعة، والأسواق التي تثير لدى زائرها الدهشة، واللوحات الفنية التي تحوي قصورا شامخة، مثلت في مجملها أكبر متحف تاريخي طبيعي مفتوح في العالم.
زيارات متعددة شيدت منازل صنعاء القديمة باستخدام الأحجار التي كانت تقطع من جبل «نقم» خاصة النوع الأبيض، واستخدم في بنائها أيضاً حجر الحبش الأسود من جبل «الجراف» فضلاً عن استخدام الأحجار البركانية، إضافة لمواد أخرى مثل الطابوق وهو الآجر أو الطوب الأحمر المحروق والطوب اللبن «النيئ» وأستخدم الخشب بين مداميك البناء وفي السقوف والأرضيات. وقد اشتهرت صنعاء القديمة بمنازلها المتعددة الطبقات التي قد يصل عددها إلى خمسة وسبعة وتسعة أدوار، ومن معالمها التاريخية في البناء المعماري القديم قصر غمدان الشهير، الذي قيل إن من بناه هو سام بن نوح، وآخر يشير إلى أن ملوك اليمن قاطبة الذين كانوا ينزلون بصنعاء، وكان لملوكها فيها بناء كبير عظيم الذكر وهو قصر غمدان ولكنه هدم وصار كالتل العظيم.
سام وأزال
قيل إن الأحباش هم من أطلق عليها اسم صنعاء، ولكن ورد اسمها في عدد من النقوش اليمنية القديمة، وأقدم تلك النقوش يعود إلى القرن الأول الميلادي، كما ورد في النقوش أيضاً ذكر قصرها التاريخي المشهور «غمدان»، وكان «ذو نواس» آخر ملوك الدولة الحميرية قد اتخذها عاصمة لملكه في مطلع القرن السادس الميلادي، وكذلك جعلها الأحباش الذين غزوا اليمن وحكموها من 525م حتى 575م.
وخلالها بنى أبرهة الحبشي بنايته المشهورة بـ «القُلّيس»، والتي ما زالت آثارها موجودة حتى الآن؛ وكان يقصد ببنائها أن تحل محل الكعبة في مكة، وكان أبرهة قد توجه إلى مكة كما هو معروف؛ لهدم الكعبة عبر الطريق الذي عرف بـ «طريق أصحاب الفيل».
قصر غمدان
من أهم المعالم الأثرية في صنعاء القديمة «قصر غمدان» و«الجامع الكبير»، وهو أقدم وأكبر مساجد المدينة القديمة، ويعود بناؤه إلى أيام الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ويعد من أقدم المساجد في الإسلام، ويمتاز بوجود عدد من الأعمدة والأحجار المنقوشة ورؤوس الأعمدة التي نُقلت إليه من قصر غمدان أو من أحد المعابد القديمة، كما يوجد في صنعاء القديمة حوالي 50 مسجدًا بمآذن.
وتشتهر صنعاء بأسواقها القديمة التي هي عبارة عن حوانيت في الطابق الأرضي، مفتوحة على الشارع، تباع فيها المصنوعات الفضية والذهبية والحريرية والخشبية والجنابي والسيوف، إضافة إلى منتجات صنعاء الشهيرة مثل الزبيب وغيره،ولكل نوع من هذه التجارة أو الصناعة سوق متخصصة، والزائر لأسواق صنعاء القديمة، تواجهه وجوه وسحنات مرتادي هذه الأسواق.
والذين هم جزء من نسيج المكان، وشكل من أشكال التماهى بين الإنسان والمكان وربما الزمان أيضا، مشاهد تعيد صياغة الماضي بروح متجددة الأبعاد ومتعددة المذاقات، حيث تبدو هذه الأسواق وكأنها في زمنها القديم وليس في الألفية الثالثة، ويعد سوق الملح من أشهر أسواق صنعاء القديمة، بل وأقدمها على الإطلاق، وعرف السوق بهذا الاسم لكونه السوق الرئيسية للتوابل والبهارات.
النظر من المفرج
من يتجول في شوارع صنعاء القديمة، لا يمكن له أن يشاهد سوى المباني القديمة فقط، وهي تقع على مسافة كيلو متر وربما أكثر من ذلك، ويوجد فيها حوالي (000 ,14) ألف منزل، وتمتاز منازل صنعاء القديمة بارتفاعها، التي تصل إلى ثمانية وتسعة أدوار، والمتوسط في هذه البيوت ارتفاعها خمسة أدوار، وعادة يستخدم الدور الأرضي كمستودع لخزن المؤن.
والدور الأول يقع فيه الديوان «مجلس لاستقبال الضيوف والمقيل فيه»، أما الدور الثاني فهو خاص بالنساء والأطفال، والأدوار العليا ينفرد بها الرجال، ويقع المفرج (من الفرجة) في أعلى المنزل، غرفة مستطيلة نوافذها واسعة تمكن الجالسين فيها من مشاهدة حقول صنعاء وبساتينها، ونوافذها عادة مصنوعة من الخشب تعلوها عقود من الجص المعشّق بالزجاج الملون في أشكال ونقوش غاية في الجمال والإبداع..
مهن حية ومندثرة
من الحرف التي كان يمارسها سكان صنعاء القدامى، وتعتبر من الحرف المندثرة (صناعة السلب النباتي والحيواني، وصناعة أدلاء الماء الجلدية، وحرفة صناعة القفل الغثيمي، والغزل، والعباءة، والغراير، وحرفة صناعة المدايع، وحرفة صناعة الدروع النحاسية الخاصة برؤوس المغامق، وحرفة صناعة الصابون، والكبريت، والشمع، وبعض المنتجات الجلدية)، ومن الحرف التي على وشك الاندثار إذا لم يسعَ المختصون بالحفاظ عليها (المغالق التقليدية، الصباغة، المنقالة، الدباغة، الحدادة، صناعة الكوافي التقليدية).
وأخرى هي تحت خطر الاندثار، ومنها (حرفة صياغة الفضة، العقيق، النجارة التقليدية، الجنابي، أحزمة الجنابي)، وهذه الحرف هي التي تعتمد عليها اليمن في المعارض الإقليمية والدولية التي تقام في مختلف دول العالم، وهذا التوصيف بخصوص الحرف القديمة، جاء من خلال دراسات أجريت من قبل مؤرخين يمنيين.
«القليس» شاهد اندثر
«القليس» تقع في قلب صنعاء القديمة ولا تتعدى الآن كونها حفرة محاطة بسور، بناها الملك النجاشي أبرهة الأشرم أثناء احتلال الحبشة لليمن من مئات السنين، وظلت بعد هلاك الأشرم ردحاً من الزمن، تحرسها لعنة الشياطين وأساطير الحيات والأفاعي حتى وشت بها صنعاء إلى الخليفة الأموي،أبو العباس الذي هدمها.
جميل محسن


