مؤلف كتاب الكامل في اللغة والأدب، هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثعالبي الأزدي أبو العباس المبرد، إمام العربية في بغداد في زمنه مولده بالبصرة سنة 210ه/ ووفاته ببغداد سنة 286هـ وكتابه هذا أحد أركان الأدب العربي الأربعة، وهو مجموعة من المختارات الأدبية، عني فيها بشرح المشكلات اللغوية والنحوية التي تثيرها تلك النصوص.

من الجزء الأول باب وصف رسول الله للأنصار

قال رسول الله «صلعم» للأنصار في كلام جرى: إنكم لكثيرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، الفزع في كلام العرب على وجهين، أحدهما ما تستعمله العامة تريد به الذعر، والآخر الاستنجاد الاستصراخ، من ذلك قول سلامة بن جندل:

كنّا إذا ما أتانا صارخ نزع

كان الصراخ له قرع الظنابيب

يقول: إذا أتانا مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته، يقال: قرع لذلك الأمر ظنبوبه، إذا جد فيه ولم يفتر ويشتق من هذا المعنى أن يقع «فزع» في معنى أغاث.

وقال رسول الله «صلعم» ألا أخبركم بأجلكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً. الموطأون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون. ألا أخبركم بأبغضكم إلي أبعدكم مني مجالس يوم القيامة، الثرثارون والمتفيقهون.

قوله«صلعم» الموطأون أكنافاً مثل وحقيقته أن التوطئة هي التذليل والتمهيد، يقال دابة وطيء يا فتى، وهو الذين لا يحرك راكبه في مسيره، وفراش وطيء، إذا كان وثيراً لا يؤذي جنب النائم عليه، فأراد القائل بقوله: موطأ الأكناف: أن ناهتيه يتمكن فيها صاحبها غير مؤذي.

وتأويل الأكناف الجوانب، يقال في المثل: فلان في كنف فلان، كما فلان في ظل فلان، وفي ذرى فلان،، وفي ناحية فلان، وفي حيز فلان.

وقوله «صلعم» الثرثارون: الذين يكثرون الكلام تكلفاً وتجاوزاً، وخروجاً عن الحق، وأصل هذه اللفظة من العين الواسعة من عيون الماء، يقال: عين ثرثارة، وكان يقال لنهر بعينه: «الثرثار» وإنما سمي به لكثرة مائه، قال الأخطل:

لعمري لقد لاقت سليم وعامر

على جانب الثرثار راغبة البكر

قوله: راغبة البكر: أراد ان بكر ثمود رغا فيهم فأهلكوا، فضربته العرب مثلاً وأكثرت فيه، قال علقمة الفحل:

رغا فوقهم سقب السماء فداحض

بشكته لم يستلب وسليب

قال أبو الحسن: الداحض: الساقط، والداحض أيضاً: الزالق وكذلك إذا لم تضعف الثار فقلت عين ثرة، فإنما معناها غزيرة واسعة كقول عنترة:

جادت عليها كل عين ثرة

فتركن كل حديقة كالدرهم

m_alfahed@yahoo.com