اعترف الفرنسيون بموهبة الكاتب الجزائري مولود فرعون الذي افتخر بعروبته وبربريته في آن حيث قال «أكتب بالفرنسية وأتكلم بالفرنسية لأقول للفرنسيين أني لست فرنسياً»، ولكنه أبدع في هذه اللغة إذا لم نقل أضاف إليها. يقول عنه الكاتب الفرنسي جول روي بعد اغتياله: «يمتلك هذا الرجل استقامة ثابتة، كان يذهب إلى عمق الكلمات والأفكار، إضافة إلى أنه شاعر».

أما الكاتب والناشر موريس مونوي فقد كتب: « أنت، يا مولود بالنسبة إليّ، أكثر الناس من عرف بدون تساهل، كيف يبقى وفيا لأرض أجداده». فهو واحد من عباقرة الأدب الجزائري أمثال مولود معمري ومحمد ديب وكاتب ياسين، نقل مولود معمري معاناة شعبه. بدأ بكتابة هذه الرواية في 1939 ولكنه لم ينته من كتابتها إلا في عام 1949 وتمكن من نشرها في 1950. أما يومياته، التي ألفها خلال الفترة الممتدة بين 1955 و1962 فقد سلمت في 1962 إلى دار لوسوي ولم يتم إصدارها إلا بعد وفاته. «نجل الفقير»، إحدى الروائع التي كتبها مولود فرعون بأسلوب شفاف، واضح ومختصر، وأنتج نصاً كلاسيكياً يحتوي الكثير من الحكمة. جمع بين السيرة الذاتية والرصد اليومي لأحداث الثورة التحريرية من 1955 إلى 1962، متجولاً بين البحث الأدبي والشفاهية التقليدية، بومضات فلسفية ونبضات شاعرية. هذه المعاناة لم يفهمها على حقيقتها إلا الفقير الذي يبسط وجهه لأعاصير الأيام وبراكينها، يعشق خريفها كربيعها، قسوتها وجمالها.

يحن إلى لمسة يد أمه وهي تموج شعره، وهو نصف نائم على ركبتيها كرضيع استسلم من كثرة البكاء، وخارت حباله الصوتية من ترديد أصوات لم ينل بعدها شيئا، يريد حلوا فيجد مسحوقا سكر تضعه في فمه ثم يهمد ويفشل، تمازحه أمه:

«لم لا تنحت أيامنا على صخور تيزي ووزو ليرمقنا الجميع ونبدو في الأعالي...؟» .

هكذا يدّون مولود فرعون سنوات طفولته، سطورا تشع بالألم والمعاناة على ورق خلده في عالم الأدب. التهم قراءة رائعة فيكتور هيغو «البؤساء» وتوحد مع بطله «جون فالجان». إنه ابن الفقير الذي كان معجبا بوجدانية أستاذ اللغة الفرنسية ابن القرية، يشد انتباه تلاميذه بأسلوبه ويسيطر على مشاعرهم. نسج كل منهما «جان فال جان» و«ابن الفقير» رواية نقش القدر حروفها وكلماتها، وتشارك غضب هذا الطفل الرياح والبرق والزوابع والغيوم.

في «نجل الفقير» نجد كل البعد الإنساني، فهو لم يكتب طفولته الفقيرة الغنية فقط بل طفولة جميع أبناء الجزائر في العهد الاستعماري.

تدور أحداث الرواية في نهاية «معركة الجزائر» الشهيرة شتاء العام 1957، وبطلها مدير مدرسة يغادر الريف ويستقر في العاصمة حيث عُيّن مديرا لمدرسة بحي شعبي، يتعرف على مُدرّسة فرنسية تدعى فرانسواز، لتتشعب الرواية في سياقات غير منتهية عن الهوية والأنا المستقل والاستلاب.

وهكذا تتتبع الرواية حياة فورولو مينراد، الشخصية الرئيسية للرواية، مستلهماً أحداثها من السيرة الذاتية، الطفولة والمراهقة إلى أن يصبح معلماً. وكان من المفترض أن لا يصبح معلماً بل راعياً للغنم، ولكن الطموح يحّرك دواخله، ويجعل هذا الطفل ـ الرجل يصارع بلا هوادة ليتجنب مصيره المحتوم. كان وحده يؤمن بمستقبل مغاير من مستقبل أصحابه، رغم ارتباطه الوثيق بهم، ويعيش بين كدح أبيه ليسّد رمق العائلة، وبين كرم أمه. ولا شيء يهرب منه في تصويره للأحداث وما في أعماقها: رقة خالاته، وغيرتهن، وارتباطه بأبناء عمومته، ونتعلم من شخصية الرواية كيف نعيش متوحدين ومتضامنين، ونتشارك بكل شيء.

مولود فرعون يكتب كما يتكلم، ويصف قريته القبائلية كما يصف بيته، لذلك ينبض كل شيء بالحيوية: العادات والتقاليد والشخصيات والملابس والمناظر الطبيعية.

الكتاب: نجل الفقير

تأليف: مولود فرعون

الناشر: لي سوي باريس 1950

الصفحات: 164 صفحة

القطع: المتوسط