تتفق الآراء حول توصيف ساسكيا ساسن أنها «باحثة كونية» وأحد أعلام العالم المعاصر في ميدان علم الاجتماع خاصة. وهي من أبوين هولنديين، عاشت بين بيونس آيرس بالأرجنتين، وروما في إيطاليا. كانت قد دخلت «سراً» إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل أن تكمل دراساتها في جامعاتها وتصبح أحد أبرز «رموزها» العلمية في الخارج.
وهي تعتبر نفسها بمثابة «مواطنة عالمية» بفعل انتماءاتها المتعددة، لكنها مثقفة «ملتزمة» بقضايا الإنسان عامة. وهي تكرس كتابها الأخير ل«سوسيولوجية العولمة».
ذلك على اعتبار أنها هي نفسها ك«فرد» نتاج مباشر لهذه العولمة. ثم إنها تمضي السواد الأعظم من وقتها متنقلة من عاصمة إلى أخرى.
العولمة التي تتعرض ل«سوسيولوجيتها» في هذا الكتاب هي.
كما تصفها المؤلفة نفسها، مثل «حيوان يصول ويجول بقوة وبسرعة متعاظمة». وتتم الإشارة منذ البداية إلى أن العولمة الراهنة هي الصورة الأكثر اكتمالا لأشكال «بدائية» من العولمة كانت «المدن» هي أحد تعبيراتها الأولى، إذ أنها تضم مجموعة من الأفراد الذين ينتمون إلى مشارب مختلفة وعليهم أن يجدوا صيغة للتعايش في بوتقة واحدة تجمعهم.
وتولي المؤلفة أهمية خاصة في تحليلاتها ل«سوسيولوجية العولمة» إلى دور الدولة التي ينبغي عليها أن تتدخّل بوصفها عاملا طبيعيا في «لوحة العالم المعولم».
ولكنه عامل بصدد «فقدان طبيعته التاريخية» من حيث أنها هي التي تضبط إيقاع النشاط الاقتصادي لبلدانها. لكنها، أي الدولة، أبدت في المرحلة الأخيرة عجزها عن الرقابة على النشاطات المالية وعن ضبط آلياتها. وبالنتيجة دخلت الدولة في «صراع» مع مفهوم السيادة الوطنية وفقدت الكثير من سلطتها، خاصة في ميدان الحقوق الاجتماعية.
إن أحد الأهداف المعلنة لمؤلفة هذا الكتاب من خلال تعرّضها ل«سوسيولوجية العولمة» يتمثل في «طرح الأسئلة الخاصة بالمفاهيم أكثر مما هو في تقديم إجابات».
وطرح مثل هذه الأسئلة «سوسيولوجيا» يقتضي بالضرورة، حسب رأي المؤلفة، تجاوز العلوم الاجتماعية للإطار التقليدي المسمّى ب«الوطني». لكن هذا الإطار هو الذي يتعزز في واقع الأمر بالنسبة لمختلف الدول.
المطلوب إذن من العلوم الاجتماعية بمختلف مشاربها «اختراع مفاهيم جديدة» و«طرق جديدة». وهذا ما تجمله المؤلفة بالقول إنه ينبغي على هذه العلوم أن «تتعولم» هي الأخرى.
وتحدد المؤلفة موقفها من دور الدولة بالقول انه بسبب «خلل انضباط» اللعبة الاقتصادية «المعولمة» عامة، واللعبة المالية خاصة، جرت عملية إعادة توزيع «السلطة».
وليس فقط بين «الدولة» نفسها و«ممثلي السلطة العائدة للقطاع الخاص» ولكن داخل الدولة نفسها. ويتم تحديد هذا التوزع داخل الدولة عبر عدة توجهات. التوجه الأول يتمثل في ظهور أن السلطة التنفيذية قد «ربحت» بينما أن السلطة التشريعية قد «خسرت». وكانت عملية إعادة توزيع «السلطة» قد بدأت على الصعيد الاقتصادي، وبالتالي كان الأمر ذا طابع تقني بالدرجة الأولى وليس سياسيا.
وما يتم التأكيد عليه هو أن هناك تنافسا بين الرؤية الموروثة للماضي الذي كانت الدولة - الأمة هي أحد العناصر الأساسية في تكوّنه، وبين رؤية أخرى معاصرة تقوم أساسا على القول أن الدولة - الأمة نفسها قد ولّى عهدها وبرز مفهوم جديد للدولة يحصر دورها بشكل أساسي في ميادين القضاء والعدالة وتنظيم الحياة العامة.
والتوجه الآخر للقول بوجود توزيع للسلطة داخل الدولة تحدده المؤلفة على الصعيد القانوني وذلك من خلال الطريقة التي تطورت فيها المؤسسات الدولية، ما فوق الوطنية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من جهة، وواقع أن السلطة التنفيذية في الديمقراطيات الغربية هي التي تمثل الدولة في المحافل العالمية.
والنتيجة المباشرة هي أن السلطة التنفيذية، أي الحكومات، هي التي «أدارت» التبدلات الاجتماعية الاقتصادية العالمية. وبهذا المعنى أيضاً ساهمت العولمة، في تعزيز سلطات الدول بينما تراجعت سلطة مختلف القوى التي تجمعها المؤلفة تحت عنوان «الدولة الاجتماعية».
من جهة أخرى وجدت الديمقراطيات اللبرالية الحديثة، أي تلك التي يسود فيها النظام المدعو ب«دولة القانون»، نفسها مدعوة لسن قوانين جديدة لمواجهة التبدلات الاجتماعية-الاقتصادية الملازمة للعولمة.
هكذا مثلا لجأت الولايات المتحدة إلى «إعادة تفسير» قوانين قديمة «منسية». وذلك في منظور تغييب أي نقاش عام من جهة والمحافظة على المصالح الخاصة، من جهة أخرى.
أو أنه تمّ اللجوء إلى تشكيل لجان تضم أعضاء يمثلون المصالح الخاصة المختلفة. وبهذا المعنى ترى المؤلفة أن الدولة قد «فقدت من طبيعتها» داخل حدودها الخاصة بها.
بكل الحالات تتمثل الظاهرة الأساسية التي يتم تحليلها في هذا الكتاب في القول أن العولمة قد ساهمت في فقدان الدولة لطبيعتها عبر زيادة «سلطة» الحكومات، أي السلطة التنفيذية، على حساب مصادر السلطة الأخرى وفي مقدمتها السلطة التشريعية وسلطة المواطنة. وهذا ما يتم تلخيصه بالقول ان المجتمعات «المعولمة» قد تحوّلت إلى ميادين استراتيجية للنزاعات عبر تبلور التناقضات الاقتصادية للعولمة.
الكتاب: سوسيولوجية العولمة
تأليف: ساسكيا ساسن
الناشر: دبليو دبليو نورتون نيويورك 2008
الصفحات: 250 صفحة
القطع: المتوسط
A sociology of globalisation
Saskia Sassen
W. W. Norton
New York 2008
250.P
