«هوس الزنبق» عنوان كتاب لا يبحث في الأدب والعواطف ولكن في عمقه بالاقتصاد وتحديدا حول «أزمة» بيع الزنبق بسعر الذهب في هولندا. وتعود المؤلفة «آن غولدغار»، الأستاذة الجامعية المختصة بتاريخ القارة الأوروبية إلى بدايات القرن السابع عشر عندما أصبحت زهور الزنبق موضوع مضاربة رفعت أسعارها كثيرا ليُعرف ما يعتبره محللون كُثر بمثابة «النموذج الأول للفقاعة المالية» وما تبعه من «انفجار» تلك الفقاعة.

إن المؤلفة تعود في الفصول الخمسة التي يتألف منها الكتاب إلى شرح تلك الظاهرة التي عرفت أوجها بتاريخ 5 فبراير 1637 في مدينة «ألكمار» الهولندية الواقعة على بعد حوالي 30 كيلومترا عن العاصمة امستردام. في ذلك اليوم جرى بيع عدة عشرات من الأصص التي كانت تحتوي على بصلات صغيرة لزهور الزنبق لصاحبها «ووتر بيرتولموز وينكل» الذي توفي تاركا وراءه عدة أطفال.

جرت عملية البيع بالمزاد العلني ووصل سعر بعض البصلات إلى مبلغ يزيد على 5000 فلوران هولندي. وللدلالة على مدى ارتفاع هذا السعر تشير المؤلفة إلى أن سكان امستردام الذين كانت تزيد قيمة ممتلكاتهم عن 1000 فلوران كانوا يدفعون ضريبة عالية جدا.

انطلاقا من تلك الحادثة عرفت السنوات الأخيرة من عقد الثلاثينات في القرن السابع عشر نوعا من «هوس الزنبق». ووصلت «المضاربات» على شراء الزنبق إلى «حالة شبه جنونية».

وساهم الجميع في تلك المضاربات من تجار ونبلاء وحرفيين. وكانت بصلات أزهار الزنبق تباع عشرات المرّات أحيانا في نفس اليوم وبزيادة في السعر من «بائع» إلى آخر. وبهذا المعنى كان «هوس الزنبق» نموذجا واقعيا لا سابق له عن المضاربات المالية.

هكذا وجد أولئك الذين «ضاربوا» على الزنبق أنفسهم فجأة في وضع صعب، وقريب من الإفلاس بالنسبة للبعض. وكان العديد منهم، بشتى مشاربهم ومهنهم وطبقاتهم الاجتماعية، قد باعوا منازلهم من أجل شراء بصلات الزنبق.

وعندما انهارت أسعارها فجأة حدثت «أزمة اقتصادية كبرى». وكانت من نفس طبيعة الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية بعد انفجار «الفقاعة» المالية.

وتعتمد المؤلفة في الكثير من تحليلاتها على كتاب «شارل ماكاي» الصادر عام 1841 حول «هوس الزنبق» في هولندا تحت عنوان: «أشكال الهذيان الجماعية الاستثنائية وجنون الجماهير» والذي يقدّم فيه المجتمع الهولندي وكأنه مصاب ب«جنون تجارة الزنبق». بكل الحالات، يتم التأكيد أن أسعار الزنبق آنذاك هبطت خلال أسابيع قليلة بنسبة 90 بالمئة. لتنفجر الأزمة المالية الأولى في سلسلة طويلة من الأزمات اللاحقة.

وتصل المؤلفة في تحليلاتها إلى القول أن توصيف أية أزمة مالية ذات مدى واسع وتصيب مجتمعا بأكمله يجد مرجعيته عامة، أي التوصيف، في ظاهرة انهيار أسعار الزنبق في هولندا خلال سنوات الثلاثينات من القرن السابع عشر. لكن المؤلفة تفتح هنا قوسين كي تؤكد، على عكس ما هو شائع، أن أزمة «الزنبق» تلك لم تكن في جوهرها أزمة مالية كبرى، وأنها لم تمس سوى عددا قليلا من المعنيين بتجارة الزنبق ولفترة قصيرة من الزمن. لكنها تؤكد بالمقابل على أن الأمر كان يتعلق خاصة ب«أزمة ثقافية».

وتشرح المؤلفة أن أول الذين استهوتهم زهور الزنبق هم الأتراك. وقد وقع زوار القسطنطينية من الهولنديين في نهاية القرن السادس عشر بذلك «الهوى» ونقلوا بصلات الزنبق إلى بلادهم. لقد أثارت اهتمام جامعي أنواع النباتات والزهور الأوروبيين الذي أصبحوا يبحثون عن «الأنواع النادرة من الزنبق».

وجرى نوع من التنافس للحصول عليها. كانت امستردام تعيش آنذاك حالة من الازدهار مما خلق طبقة بورجوازية ميسورة أراد المنتمون إليها تزيين حدائقهم بزهور الزنبق الجميلة.

هكذا لم يكن يتردد البعض من دفع ثمن «بصلة الزنبق» وكأنها لوحة فنان شهير، وبما يعادل سعر اللوحة. عاش الفنان رامبرانت في تلك الفترة ونافست زهور الزنبق لوحاته. وفي مثل ذلك السياق شاع «هوس الزنبق» وارتفعت أسعاره بدرجة خيالية.

وتركز المؤلفة على عامل محدد ساعد في انهيار الأسعار، وهو يتمثل في طبيعة بصلات الزنبق المباعة نفسها، إذ انها تكون عندما تباع مغمورة بالتراب بانتظار موسم الإزهار بعد عدة أشهر، وأحيانا تتم سرقتها قبل ذلك أو قد تكون «مريضة» ولا تنبت. ونشبت بسبب ذلك أزمة ثقة بين أوساط باعة بصلات الزنبق وشراتها. وعندما رأى هؤلاء الشراة أن الأسعار قد انهارت رفضوا دفع الثمن المتفق عليه سابقا.

ووصل الأمر غالبا إلى المحاكم. وتلطخ «شرف» المعنيين بسوق الزنبق بينما كان رد فعل الآخرين، الذين كانت معارفهم متواضعة بعالم الزنبق وسوقه، عنيفا. محصلة ذلك كله كانت «أزمة ثقافية» على خلفية العلاقة بين «المال والشرف والمعرفة» كما جاء في عنوان الكتاب.

بكل الحالات تؤكّد المؤلفة أنها كانت «أزمة عابرة». ذلك أن تجارة الزنبق قد استؤنفت بعد فترة قصيرة وعاد الفنانون إلى رسم «باقات جميلة من زهور الزنبق». لم يكن «هوس الزنبق» إذن تعبيرا عن أزمة مالية فحسب، ولكن كان للأزمة بعدها الثقافي.

الكتاب : هوس الزنبق: المال والشرف والمعرفة في العصر الذهبي الهولندي

تأليف: آن غولدغا

الناشر: جامعة شيكاغو 2008

الصفحات: 446 صفحة

القطع: المتوسط

Tulipmania: Money, honor and knowledge in the Dutch Golden Age

Anne Goldgar

University of Chicago Press 2008

446.P