«الملح، قاتل خفي» لمؤلفه الباحث في ميدان الصحة بفرنسا بيير مينيتون، هو بنفس الوقت كتاب عن «أضرار المبالغة باستخدام الملح في الأطعمة» وقصة محاكمة تواجه فيها مؤلفه مع منتجي الملح ومنتجي الأغذية «الجاهزة» التي يتم تحضيرها في المعامل وتباع بعشرات مليارات الدولارات في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في البلدان الصناعية المتقدمة.
«إذا كان الملح مادة لا بد منها للحياة، فإنه يتحوّل إلى قاتل إذا جرى الإفراط باستهلاكه»، بهذه الكلمات الواضحة يتحدث بيير مينيتون في كتابه عن «الملح». ولا يتردد في التأكيد مباشرة أن ما يقوله ليس من قبيل «الدعاية المضادة» للملح ولمستخدميه، ولكنه تعبير عن حقيقة علمية حاول أن يقدّم عليها البراهين. ولقد أثار بذلك غضب منتجي الملح وأرباب الصناعات الغذائية الذين وجدوا بالآراء التي يطرحها خطرا كبيرا على «أرقام أعمالهم التجارية» كون أنه «يوقظ المستهلكين النائمين». وعلى أساس تصريحات من نوع ذلك التصريح الذي أدلى فيه الباحث لصحيفة متواضعة التوزيع وجاء فيه أن «مجموعة ضغط لوبي منتجي الملح والقطاع المختص بالصناعة الزراعية-الغذائية هي مجموعة نشيطة جدا»، جرى توجيه الاتهام له ب«ترويج معلومات خاطئة» من قبل لجنة أصحاب مصانع الملح في فرنسا.
والمؤلف يروي بالتفصيل في هذا الكتاب ما جرى أمام المحاكم حتى إصدار القرار في شهر مارس 2008 أنه بريء. ويعلّق المؤلف على هذا الحكم بالقول: «إن ذلك الحكم أقرّ بوجود نشاط تقوم به مجموعات الضغط حول مشكلة الإفراط في استخدام الملح ويعترف بوجود علاقة بين ذلك النشاط والتضليل الإعلامي».
هذا الكتاب بالطبع ليس كتابا في الصحة بالمعنى الطبي الدقيق فمؤلفه ليس طبيبا. ولكن هذا لا يمنعه من واقع الباحث المختص من التأكيد اعتمادا على براهين علمية وطبية أن الكميات الكبيرة التي يتناولها المستهلكون كل يوم من الملح، ودون أن يعوا ذلك في أحيان كثيرة، إنما يمكن أن تعرّضهم لاحقا لإصابات قلبية ودماغية وربما إلى بعض الأمراض السرطانية.
وما يؤكده المؤلف هو أن «ملف الملح» يستحق الكثير من الانتباه الجدّي، وهو يجمع في هذا الكتاب سلسلة طويلة من البراهين المثبتة علميا وطبيا. بالتالي يقدّم المؤلف مجموعة من «المخارج» التي يمكنها أن تسمح لنا ب«النجاة من ذلك القاتل الخفي، الملح». وذلك عبر محاولة الإجابة على أسئلة من نوع: كيف يمكن التعرّف على الأطعمة التي ينبغي تجنبها؟ وكيف يمكن اختيار تلك التي ينبغي أن نعطيها الأولوية؟
وبالتوازي مع التأكيد على الأضرار الصحية على الأفراد، وبالمحصلة على الصحة العامة وما يترتب على هذا من نفقات تتحملها صناديق الضمان الصحي وتساهم إلى درجة كبيرة في دفعها نحو حافة الإفلاس، يقدّم المؤلف توصيفا دقيقا للكيفية وللآليات التي انتهجها أرباب «صناعة الملح» في فرنسا، وكذلك في بقية البلدان الشبيهة، على مدى عقود كاملة وبدون كلل أو ملل من أجل مواجهة وتدمير كل الجهود التي يقوم بها الأطباء ومسؤولو الرعاية الصحة من أجل البرهان على أن عواقب كبيرة وحقيقية تترتب على الإفراط في استخدام الملح. والأذى الأكثر مباشرة لها يقع على مستوى زيادة الضغط الشرياني المسؤول عن العديد من الأمراض القاتلة أحيانا والمعطّلة للنشاط البدني الطبيعي دائما.
وإذا كانت المجتمعات الاستهلاكية المتقدمة معروفة بميلها إلى التطرف والمبالغة في استهلاك كل شيء، فإن مثل هذه القاعدة تنطبق أيضاً على استهلاك الملح. ويؤكد المؤلف أن معدّل استهلاك الملح في البلدان الاستهلاكية المتقدمة لا يتجاوز فقط حاجة الجسد الإنساني منه ولكنه يتجاوز أيضاً المعايير المحددة من قبل المنظمة العالمية للصحة. ولا يتردد «بيير مينيتون» أن يحمّل العاملين في الحقل العلمي ذي العلاقة مع الصحة العامة قسطا كبيرا من المسؤولية عبر ما أبدوه من «تواطؤ» مع أرباب صناعة الملح.
ويعيد المؤلف تفاقم أخطار استهلاك الملح بكميات مفرطة إلى أن المستهلك ليس واعيا لذلك. ونقرأ بهذا الصدد: «إن الإفراط في استهلاك الملح يتم عامة بصورة خفية. ذلك أن الملح يختبئ في كل مكان. إنه موجود في الخبز الذي تأكلونه وفي الأطعمة الجاهزة التي تستهلكونها بعد تسخينها وفي الحلويات بعد وجبة الطعام وفي قطع الشوكولا التي تلتهمونها. والملح الذي تتم إضافته من المملح الصغيرة على الطاولة ليس سوى الحصة الأقل من الملح الذي يتم استهلاكه كل يوم».
وبعد المرافعة الطويلة على القسم الأكبر من صفحات هذا الكتاب، لا ينسى المؤلف أن يقدم لقارئه المعلومات الدقيقة الخاصة بالدور الجوهري «الذي لا يعوّض» للملح في تأمين حسن سير آلية عمل الجسد. المهم والجوهري هو تطبيق قاعدة «الاعتدال».
وينتهي هذا الكتاب «المناهض» للإفراط في تعاطي الملح، بعدة صفحات لشرح كيفية تحضير «مجموعة من الوجبات دون ملح».
الكتاب: الملح، قاتل خفي
تأليف: بيير مينيتون
الناشر: فافر
باريس2009
الصفحات: 176 صفحة
القطع: الصغير
Le sel, un tueur caché
Pierre Meneton
Favre - Paris - 2009
176.P

