هذا الكتاب عن سيرة حياته هو واحد بين سلسلة من الدراسات التي كان ميلتون فريدمان موضوعاً لها. ويقدمه المؤلف بالجملة التالية: «إن ميلتون فريدمان هو أحد أكبر المنظّرين الاقتصاديين والفلاسفة السياسيين في القرن العشرين». ومنذ البداية إذن يتم تحديد القول ان هذه السيرة سوف تحاول رسم صورة لـ «فريدمان» ليس فقط على أساس شهرته كـ «اقتصادي» أصبحت نظرياته مدرسة قائمة بحد ذاتها ولكن أيضاً كـ «مثقف عام».
ومثل جميع كتب السيرة يبدأ هذا الكتاب بفصل عن سنوات طفولة فريدمان وفترة شبابه الأولى والانتقال بعد ذلك «تدريجياً» إلى مراحل حياته الأخرى مروراً بجامعة شيكاغو، كطالب ثمّ كأستاذ، إلى تفرغه للكتابة والتأليف كأحد أبرز منظري «الليبرالية» في القرن العشرين. وكانت مساهمته الرئيسية هي النظرية القائلة ان «تقليص دور الدولة في اقتصاد السوق يمثل الوسيلة الوحيدة لبلوغ الحرية السياسية والاقتصادية». وبهذا المعنى كان فريدمان هو «الأب الروحي» للنسخة الليبرالية التي سعى المحافظون الأميركيون الجدد إلى تطبيقها في ظل إدارة جورج دبليو بوش وتعميمها في إطار العولمة السائدة. وميلتون فريدمان هو من مواليد مدينة نيويورك عام 1912. توفي في سان فرنسيسكو التي قدم للعيش فيها بعد تقاعده من العمل في جامعة شيكاغو. كان عمره عند وفاته عام 2006 يفوق الـ 94 سنة.
قدّم عملين كان لهما تأثير كبير على مستوى شرائح واسعة من الأميركيين ومن النخبة الأميركية وهما كتابه «الرأسمالية والحرية» الصادر عام 1962، وهو بالتحديد الكتاب الذي صاغ فيه رؤيته لـ «دور الدولة» وضرورة «استبعادها» من ميدان الاقتصاد لفتح الأبواب على مصراعيها لـ «المنافسة» و«سيادة قواعد اقتصاد السوق».
والعمل الآخر عنوانه: «حرية الاختيار» الذي يحاول فيه تقديم البراهين على أن المنظومة الليبرالية في الاقتصاد، كما في السياسة، هي أفضل من جميع المنظومات الأخرى المعروفة حتى الآن، وخاصة المنظومة الاشتراكية التي كان الاتحاد السوفييتي يتزعّمها.
وكان تأليف هذا الكتاب قد بدأ قبل وفاة ميلتون فريدمان بفترة وجيزة. وهكذا ضمّ العديد من اللقاءات معه وأيضاً مع زوجته «روز» التي قدمت له صورة رب أسرة ملتزم بكل شؤونها مثل التزامه في عمله كمستشار لدى العديد من أصحاب القرار الأميركيين على أعلى المستويات، ومن بينهم نيكسون وريغان.
كان ميلتون فريدمان قد أمضى ثلاثين سنة كأستاذ في جامعة شيكاغو، التي كان قد درس فيها طالباً لسنوات، وأسس فيها من موقعه التعليمي ما عُرف بـ «مدرسة شيكاغو النقدية»، أي التي تولي أهمية استثنائية لـ «النقد» ودور «المال» في النشاط الاقتصادي. وكان قد نشر كتاباً عام 1956 تحت عنوان: «دراسات حول النظرية الكميّة للمال».
وكان ذلك الكتاب بمثابة مقدمة لعمله الشهير «الرأسمالية والحرية». في عام 1976، حصل ميلتون فريدمان على جائزة نوبل للاقتصاد وذلك على أعماله حول «تحليل الاستهلاك والتاريخ النقدي ـ المالي وتعقيد سياسات تثبيت الأسعار». كان عمره آنذاك 64 سنة. بدأ بعد ذلك سلسلة برامج تلفزيونية من 10 حلقات لـ «شرح فلسفته» كان قد قام بإعدادها بالمشاركة مع زوجته.
وقد أوجز مضمونها في كتابه الشهير الثاني «حريّة الاختيار» الذي صدر عام 1980 وبيعت منه 400000 نسخة، كما جرت ترجمته إلى 12 لغة عالمية.
وفي نفس تلك السنة أصبح فريدمان في عداد «اللجنة الاقتصادية» المحيطة بالرئيس ريغان في البيت الأبيض. ومن الأفكار الأساسية التي قال بها فريدمان وأصبحت من أطروحات «مدرسته» يتم نقل تلك القائلة ان التضخم له أصول نقدية أي لها علاقة بالنقد. وهذا ما عبّر عنه بالقول: «إن التضخم هو دائماً وفي كل مكان ظاهرة لها علاقة بالنقد، وذلك بمعنى أنها ولا يمكن أن تحدث إلا بسبب زيادة كمية النقد بسرعة أكبر من زيادة الإنتاج».
ومثل هذه المقولة تستدعي قبول المبدأ القائل إنه تنبغي السيطرة على التضخّم بواسطة زيادة حجم إصدارات العملة التي تقوم بها البنوك المركزية. وفكرة أخرى رئيسية في أطروحات فريدمان يتم تحديدها بمفهومه «الجديد» لدور الدولة في الاقتصاد.
وهو لا يتردد في الدعوة إلى «انسحاب الدولة من سوق المبادلات المالية مع تشجيع ترك معدلات سعر التبادل عائمة. وبكل الحالات يؤكد أنه ينبغي الحكم على أية سياسة اقتصادية، ليس على أساس النوايا ولكن على أساس النتائج، وهذا ما عبّر عنه صراحة بقوله: «إن أحد أكبر الأخطاء الممكنة هو في الحكم على سياسة أو على برامج اقتصادية تبعاً للنوايا وليس تبعاً للنتائج».
الكتاب : سيرة حياة ميلتون فريدمان:
تأليف: لاني ابنشتاين
الناشر: بلغراف مكميلان نيويورك لندن 2008
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
Milton Friedman: abiography
Lanny Ebenstein
Palgrave McMillan- New York- London - 2009
272P.p

