عندما أوصل الناخبون الأميركيون باراك أوباما ذا الأصل الإفريقي إلى البيت الأبيض، أعلنوا بوضوح رغبتهم في «التغيير». وكان هذا هو بالتحديد الذي رفعه أوباما أثناء حملته الانتخابية الرئاسية. ولكن ابتدأ بنفس الوقت فصل من التحديات التي سينبغي على باراك أوباما ومعه أميركا، مواجهتها مباشرة. و«تحديات أوباما»، هي موضوع الكتاب الذي يقدمه بيرتيليمي، الباحث في مركز العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس، تحت عنوان: «الولايات المتحدة، تحديات أوباما»، مع تساؤل: «أنحو زعامة أميركية جديدة»؟ وهذا التساؤل يشكل العنوان الفرعي للكتاب.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة فصول يحمل الأول منها عنوان «رئيس جديد للولايات المتحدة» ويكرّسه المؤلف لاقتفاء أثر «المسيرة الطويلة» التي عرفها باراك أوباما كي توصله في النهاية إلى البيت الأبيض. وما يجد فيه المؤلف نهاية ل«الهيمنة المحافظة» التي استمرّت عدة عقود.

والفصل الثاني مكرّس ل«التحديات الداخلية: الاقتصادية والاجتماعية والأمنية». وتتم العودة هنا إلى الحديث عن أسباب الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة وحيث يتم التركيز على العلاقة بين الميزان التجاري الأميركي والدولار.

كذلك يبحث المؤلف في هذا الفصل عن النتائج الاقتصادية والاجتماعية للكساد الاقتصادي الأميركي وكذلك عن أشكال القلق الخاصة بالمسألة الأمنية في عالم العولمة.

ويتركز الفصل الثالث حول دراسة «تحديات السياسة الخارجية الأميركية» في عهد باراك أوباما. وذلك في سياق حالة الانتقال من أطروحات المحافظين الجدد القائمة على الهيمنة الأميركية «المنفردة» على مسرح العلاقات الدولية إلى فترة جديدة يتم وصفها ب«الواقعية»، والمتميزة خاصة ب«سياسة اليد الممدودة».

ولكن دون التخلّي عن مكافحة «الدول المارقة». «أين تذهب القوة الأميركية»؟ هذا التساؤل يشكل عنوان الفصل الرابع والأخير من الكتاب. ويبدأ المؤلف تحليلاته تحت سؤال آخر هو: «هل الولايات المتحدة أمة لا بد منها للعالم»؟

ويفتح المؤلف في سياق الإجابة قوسين لشرح «تطور سياسة واشنطن منذ انهيار جدار برلين». وذلك وصولا إلى التأكيد أن الولايات المتحدة تواجه «محيطا دوليا جديدا».

وتتردد على مدى صفحات هذا الكتاب «الكثيف» مجموعة من الأفكار الأساسية وفي مقدمتها التأكيد على أن الأميركيين وجدوا أنفسهم مدفوعين نحو «التغيير» بالصعوبات الكبرى التي تواجهها القوة العظمى الأولى في العالم، وذلك على الصعيدين الداخلي والدولي.

فعلى الصعيد الداخلي تتداخل الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية لتؤدي إلى حالة من القلق «الحقيقي» العام لدى الأميركيين. وأزمة حقيقية على الصعيد الدولي، فالولايات المتحدة منخرطة في حربين على مسرحين بعيدا هما العراق وأفغانستان ولا تعرف كيف ستخرج منهما. ويضاف إلى هذا نتيجة شديدة السلبية على صورة أميركا في العالم.

ويصف المؤلف الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2008 أنها «تاريخية»، وليس فقط من حيث الدلالات الرمزية لانتخاب رئيس أميركي من أصل إفريقي في تاريخ البلاد ولكن أيضاً بناء على واقع أن واشنطن تجد نفسها على أبواب «مفترق طرق» فيما يتعلق بخياراتها المستقبلية.

وما يتم التأكيد عليه هو أن حقبة جديدة من تاريخ أميركا قد بدأت. ذلك على أساس أن «الوجوه الجديدة على رأس السلطة» تتم ترجمتها في وعي الآخرين، وإلى درجة كبيرة في الواقع، بعدد من «التوجهات الجديدة أيضا». لكن يبقى السؤال الأهم، كما يصيغه المؤلف، هو: ما مدى هامش المناورة الحقيقي الذي تتمتع فيه الإدارة الأميركية الجديدة؟

وإذا كان من الصحيح القول أن الولايات المتحدة تجذب أنظار العالم إليها كل أربع سنوات بمناسبة الانتخابات الرئاسية فيها، فإن انتخابات 2008 كانت «أكثر جذبا». ولم يتردد محللون كُثر في جميع أنحاء العالم بوصف نتيجتها بأنها «ثورة سياسية حقيقية».

ويصل المؤلف إلى التأكيد في المحصلة الختامية التي يقدمها إلى القول أن «خيارات الإدارة الجديدة هي التي سوف تحكم إلى حد كبير مستقبل القوة الأميركية. والانتخاب التاريخي تترتب عليه إجراءات تاريخية والرئيس الأميركي الجديد يعرف أفضل من أي شخص آخر أن البلاد الشاسعة التي سوف يدير شؤونها خلال السنوات الأربع لرئاسته (وربما أكثر) هي حقيقة على مفترق الطرق».

وأميركا هي على مفترق الطرق في فترة حساسة من تاريخها حيث ينطرح بقوة السؤال حول «الانحطاط الممكن» للقوة الأميركية، وذلك لأسباب «ذاتية» تتعلق بالأزمات التي تعاني منها وكذلك بسبب الصعود القوي لمجموعة من القوى-الأقطاب المنافسة، وعلى رأسها الصين.

وينقل المؤلف عن المراقبين الأميركيين أنفسهم أنهم يتفقون على قبول فكرة عدم حصول تغيّر راديكالي في التوازنات الإستراتيجية الحالية يعني أن بكين سوف تتجاوز واشنطن بأفق عام 2035 لتصبح القوة الدولية العظمى الأولى». ولعل الفكرة الأساسية التي تتركز حولها تحليلات هذا الكتاب تتمثل في القول أنه بين رغبة «التغيير» التي اقترع الأميركيون لصالحه وبين ضرورة المحافظة على بعض المكتسبات وليس أقلّها أهمية الزعامة العالمية يجد الرئيس الأميركي الجديد نفسه تحديات عديدة. وأنه على خلفية هذا الواقع يمكن التساؤل من جديد حول مستقبل القوة العظمى الأميركية.

الكتاب : الولايات المتحدة وتحديات أوباما

تأليف: بارتيليمي كورمون

الناشر: لوفيلان باريس 2009

الصفحات: 154 صفحة

القطع: الصغير

Etats-Unis, les défis d'Obama

Barthélémy Courmont

Le Fél in - Paris 2009

154.p