أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية هذا الحوار مع الكاتب والروائي ياباني الأصل كازو إيشيغورو مع صدور مجموعته «لوحات ليلية» التي تضم خمس قصص تدور حول الموسيقى وإقبال الليل، حيث ألقى الضوء على جوانب من عالمه الإبداعي، مؤكداً ضرورة قراءة أعماله على صعيد أكثر إيغالاً في الرمزية، ومشدداً على افتتانه بالذاكرة، وأعرب عن اعتقاده بأن المزج بين مواجهة البلاد المختلفة للتحولات الاجتماعية وذاكرة الأفراد يشكل تحدياً كبيراً للكتاب. وفيما يلي نص الحوار:

مجموعة «لوحات ليلية» هي كتابك السابع بعد رواياتك الست الأولى في غضون ربع قرن. يبدو أنك تكتب على مهل. ما السر في ذلك؟

لم أشعر قط بالحاجة إلى الكتابة بمعدل أسرع مما أكتب به، ولم أعتقد أنني ينبغي أن أساهم بعدد أكبر من الكتب. والأمر الأكثر أهمية هو تأليف كتاب مختلف قليلاً.

بيعت من كتبك مليون نسخة بالفعل باللغة الانجليزية وترجمت أعمالك إلى أكثر من 28 لغة أخرى.

لست أتابع هذه الاحصاءات، ولكنني أعتقد أن هناك فارقاً هائلاً هذه الأيام بين الكتاب الذين يحظون بمبيعات كبيرة والكتاب الذين لهم مبيعات محدودة، وحتى الكتاب الذين يتمتعون بشهرة مدوية بمن في ذلك من حصلوا على جوائز نوبل غالباً ما تكون مبيعات كتبهم محدودة. ولذا فإنني اعتقد أنه من الصعب تماماً فهم نوعية الحياة التي يعيشها الكاتب، والكتاب قد يكونون من أصحاب الملايين كما قد يكونون ممن يتضورون جوعاً. وفي الفترة ما بين السنوات العشر والخمس عشرة الأخيرة أصبح من الممكن، وخاصة بالنسبة للكتاب باللغة الانجليزية، أن يسيطروا على السوق العالمية للكتاب.

يقول الكتاب الألمان الشبان الآن إن أفضل طريقة لاكتساب الشهرة في ألمانيا هي أن يكون الكاتب روائياً أميركياً ناجحاً.

أعتقد أنه أمر جدير بالإعجاب أن الناس في ألمانيا منفتحون على الآخرين بما يكفي للاهتمام بالكتاب الأميركيين أو البريطانيين، ولكن هذا التيار يثير قلقي إلى حد ما، فكل بلد ينبغي أن تكون له تقاليد الأدبية القوية التي تحتل مرتبة مركزية فيه، ولكنه ينبغي أن يهتم بالبلاد الأخرى.

ما الذي يعنيه أن يكون المرء كاتباً دولياً؟

من الجوانب المهمة في هذا الأمر أنني أقضي وقتاً في ألمانيا أو أي مكان آخر أوضح السر في أنني كتبت مقاطع معينة، فعندما أذهب إلى داري وأحاول تأليف كتابي التالي، فإنه في موضع ما من ذهني تقبع الفكرة القائلة إنني بسبيلي إلى أن تتم ترجمة أعمالي. وهناك شيء يبدو عظيماً في اللغة الانجليزية قد لا يكون على القدرة نفسه من التوفيق في اللغات الأخرى لأنه يعتمد على قدر أكثر مما ينبغي من التلاعب بالكلمات أو أسماء الماركات أو الإحالات الثقافية. وأحس بضغط عليَّ لحذف هذه الأشياء من كتاباتي. وهذا أمر يمكن أن يكون خطيراً للغاية.

لكنك مناسب تماماً لأن تكون كاتباً عالمياً؟ فقد ولدت في اليابان، وانتقلت عائلتك إلى انجلترا عندما كنت في الخامسة من عمرك هل ما زلت تشعر بأن جذورك ضاربة بعمق في الثقافة اليابانية؟

إن انجلترا هي وطني، بالطبع. ولكن أبوي كليهما على قيد الحياة وفي خير حال، وإذا حدثتهما الآن هاتفياً فإنني أتحدث باليابانية التي يتكلمها فتى ياباني شقي للغاية، فهي اللغة الوحيدة التي أتحدث بها إليهما. وقد كان مخططهما هو على الدوام العودة إلى اليابان، فقد كان أبي عالماً يعمل لحساب الحكومة البريطانية على أساس مؤقت فيما اعتقدنا. وقد تبين أنه لا يزال في انجلترا بعد نصف قرن من قدومه إليها، ولكنني كنت على استعداد للعودة إلى اليابان والانغماس في المجتمع الياباني.

قارن أحد النقاد الأميركيين روايتك السادسة «لا تدعني أذهب أبداً!». بأعمال كافكا وبيكيت، فما هو تعقيبك على ذلك؟

أعتقد أنه قد أوضح انه من المفيد النظر إلى أعمالي باعتبارها أكثر تجريدية، مثل أعمال بيكيت أوكافكا. وهو محق في ذلك. وقد حاولت على امتداد حياتي العملية تشجيع الناس على قراءة كتبي على صعيد أكثر رمزية، وأنا أقل ارتباطاً بأماكن أعمالي من شاؤول بيلو، على سبيل المثال، ذلك أن مكان حدوث وقائع رواية هو بالنسبة لي جزء من التكنيك المتبع في تأليفها، وأنا أختاره في نهاية المطاف.

إنك تبدأ بالشخصيات؟

غالباً ما أبدأ بالعلاقات، أو بالأسئلة، أو الموضوعات، ويأتي مكان وقوع الأحداث في النهاية دوما. وعندما أعد لرواية فإن هذه هي مشكلتي الكبيرة. وغالباً ما تكون لديَّ قصة بكاملها ثم أجد نفسي عاكفاً على مطاردة مكان وقوع الأحداث عبر إعمال التفكير والتقليب في كتب التاريخ. وقد انتهى الأمر بروايتي الأولى إلى أن تدور أحداثها في نجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكنني عندما بدأت في تأليفها كان مسرحها مدينة كورنوول.

من هم الذين أثروا فيك أدبياً؟

تولستوي، تشيخوف، ومن قرأت لهم في صدر العمر، وبعض الكتاب الانجليز كذلك، ولم أتأثر بالكتاب اليابانيين. وكان لبعض المخرجين السينمائيين الياباني المنتمين إلى الخمسينات، مثل ياسوجيرو أوزو أو أكيرا كيروساوا تأثير هائل عليَّ، لكنني لم أتأثر بكتب يابانية، فأنا أجد الكتب اليابانية مثيرة للحيرة عندما أقرأها مترجمة إلى لغات أخرى. والآن مع هارو كي موراكامي أجد القص الياباني الذي يمكنني فهمه والتواصل معه، فهو كاتب دولي إلى حد كبير.

يجمع هاروكي موراكامي الثقافة الشعبية الأميركية والبريطانية مع عناصر يابانية محددة.

نعم، ولكنني أعتقد أيضاً أن اليابان على هذه الشاكلة، فقد مضيت للاستمتاع إلى كيروساوا وهو يتحدث قبل ربع قرن مضى، وقد طرح هذه الفكرة على وجه ادقة، حيث سأله أحدهم: «لماذا تقتبس أفلاماً من أعمال شكسبير؟ أليس هذا شيئاً دولياً للغاية؟». ورد كيروساوا عليه قائلاً: «إنه شيء طبيعي للغاية» وقال إنه بسبب نشأته محاطاً بشكسبير والكتاب الفرنسيين والروس «فإن هذا هو ما يفعله الشخص الياباني العادي«. وإذا ذهبت إلى طوكيو، فإنني أعتقد أنه سيصبح من الواضح أن هناك مزيجاً متماثلاً من الثقافة الشعبية والثقافة التقليدية اليابانية.

دارت معظم رواياتك حول أفراد يعيدون النظر في حياتهم، فهل أردت أن تكتب شيئاً مختلفاً تمام الاختلاف مثل قصيدة أو مسرحية؟

لقد قمت بكتابة بعض سيناريوهات الأفلام، وهذا بالنسبة لي يعد طريقة مختلفة تماماً في العمل، حيث أتعاون في انجازها مع أناس آخرين. وأعتقد أن هذه النوعية نابعة من جزء مختلف من ذاتي، وهذا أمر مثير للحيوية للغاية، ولكن الذاكرة تظل شيئاً فاتناً بالنسبة لي. وما أريد معالجته في وقت لاحق هو الكيفية التي يتذكر بها مجتمع بأسره أو ينسي، ومتى يكون أمراً صحياً أن يتذكر ومتى يكون شيئاً صحياً أن ينسى؟

في ألمانيا كانت تلك، بسبب الماضي النازي، قضية كبرى منذ الستينات.

نعم، ألمانيا هي المكان الذي طرحت فيه هذه القضية على مستوى واع إلى حد كبير، وأعتقد أن الألمان قد قاموا بذلك بشكل أكثر دقة وربما أكثر نجاحاً من كل الأمم الكبرى الأخرى.

منى مدكور